الجمهورية
عبد العال الباقورى
عيد العمال وبرنامج إنقاذ الصناعة
الأول من مايو الحالي عيد العمال سيدخل التاريخ ليس باعتباره فقط المناسبة التي نحتفل بها والعالم كله بهذا اليوم تكريما وتقديرا لمن يكدون وينتجون بل وباعتباره أيضا اليوم الذي شهد ميلاد برنامج إنقاذ صناعة وطنية مهمة هي صناعة الغزل والنسيج وهو البرنامج الذي أعلنه الرئيس عبدالفتاح السيسي في هذه المناسبة عيد العمال والانقاذ حين يتم سيمتد تأكيدا إلي صناعات أخري أساسية لا يمكن أن تتحقق أي عملية تنمية شاملة في غيابها أو إصابتها بأمراض تقلل من إنتاجها.
في عيد الكادحين من أجل حياة كريمة لهم ولشعبهم قال الرئيس: "إن الدولة تولي اهتماما كبيرا بالصناعات كثيفة العمالة.. خاصة صناعة الغزل والنسيج التي يعمل بها أكثر من مليون عامل ويمكن أن تسهم بدرجة كبيرة في حل مشكلة البطالة ولذلك فإننا نعمل علي تطوير الشركات ذات الإنتاجية العالية في هذا القطاع الاستراتيجي والتحول إلي الأساليب التكنولوجية ذات التقنية العالية وتدريب العمالة عليها بما يضمن خفض تكلفة الإنتاج ورفع القدرة التنافسية للمصانع المحلية للغزل والنسيج في مواجهة المنتجات الواردة من الخارج والعمل كذلك علي توفير التمويل اللازم للمصانع المتوقفة عن العمل في هذا المجال.. أو التي تعاني عدم تحديث الآلات والمعدات بها".
وصفات للعلاج
إن هذا البرنامج أوضح من أن يحتاج إلي أي شرح أو تعليق فبنوده محددة ومتكاملة وتعبر حقيقة عن حاجة وطنية ماسة إلي تطبيقها وليس عن حاجة اقتصادية فقط وهذه البنود جري التأكيد عليها في مناسبات عديدة عبر سنوات مضت ولكنها بقيت تراوح مكانها بل إن أوضاع الصناعة بعامة وصناعة الغزل والنسيج بخاصة تزداد تدهورا عاما بعد عام مع أن "روشتة" علاجها وإصلاحها كتبها أطباء أي متخصصون كثيرون ولكنها للأسف ظلت مجرد "وصفات".. وأرشيف تعطل المصانع وأحوال المصانع المتوقفة عن العمل في مجال الغزل والنسيج أرشيف متضخم لدرجة أنه لا توجد صحيفة كبيرة أو صغيرة يومية أو أسبوعية إلا وتناولت هذا الموضوع أكثرمن مرة فضلا عن عشرات بل مئات الدراسات والبحوث القيمة التي صدرت عن وزارات ومراكز بحثية متعددة إلي منظمات عمالية واتحاد الصناعات وغيره.. وأقرب مثال علي هذا ما كتبته الصحيفة في مناسبة الاحتفال بعيد العمال ومن ذلك أن صحيفة "الأهالي" الأسبوعية نشرت في عدد الأربعاء 26 أبريل الماضي تحقيقا مركزا بالعنوان التالي: "السكر.. الغزل والنسيج.. الحديد والصلب صناعات استراتيجية كيف تم تدميرها؟".
وقد كتبه الأستاذان أحمد مجدي ومحمد صفاء وهذا ليس مجرد مصادفة فقد أصبحت أوضاع الصناعة في حاجة إلي انقاذ وانقاذ عاجل ليس أدل عليه مما سجله هذا التحقيق عن مصنع الحديد والصلب في حلوان الذي أنشيء في خمسينيات القرن الماضي فماذا حدث له ومعه وللعاملين فيه؟
طبقا لما ورد في التحقيق المشار إليه بدأت مرحلة انهيار مصنع حلوان مع بداية برنامج الخصخصة. فتم اهمال المصنع عمدا وتجاهل حاجته إلي التطوير وتحمل خسائر مستمرة ولم يتم إحلال أو تجديد لأكثر من 25 عاما وظل التطوير مجرد صيانة فقط.
ومع بداية الخسائر بدأت الشركة الاقتراض وتراكمت الديون ووصلت إلي 3.3 مليار جنيه وانعكس التدهور علي أوضاع العاملين وانخفض عددهم من 32 ألف عامل إلي حوالي 10 آلاف عامل فقط!
2600 مصنع متعثر !
بدأ التدهور في صناعة الغزل والنسيج مع بداية ما سمي الانفتاح الاقتصادي منذ عام 1974 ثم تطبيق برنامج الخصخصة وأصبح هناك حوالي 2600 مصنع متعثر في هذا القطاع.. ما العمل؟.. يقول السيد محمد المرشدي وكيل لجنة المشروعات الصغيرة في مجلس النواب: ان مشكلات قطاع النسيج تحتاج إلي "إرادة سياسية لحلها" ولعل هذه الإرادة تتحقق من خلال برنامج الانقاذ الذي طرحه الرئيس عبدالفتاح السيسي في عيد العمال. وهو برنامج إذا أحيا بعض الصناعات المتعثرة فإن الإحياء يمكن أن يمتد كما سبق القول إلي قطاعات صناعية أخري بناء علي خطة تستعيد تاريخنا القريب في التخطيط الاقتصادي وفي اقامة الصناعة التي تعتبر القاطرة الحقيقية للتنمية لأنها الكفيلة بتحقيق بنود الانقاذ التي أشار إليها الرئيس: حل مشكلة البطالة. خفض تكاليف الإنتاج. رفع القدرة التنافسية للإنتاج المحلي من الغزل والنسيج وغيرها وقد كانت هذه الأهداف ضمن برامج التصنيع المبكرة لثورة 23 يوليو التي حققت في الميدان الصناعي تجربة رائدة قل نظيرها والتي أكدت ولاتزال تؤكد أن "التصنيع هو الطريق الوحيد للتقدم والتنمية الاقتصادية ولا سبيل إلي تحقيق أية نهضة حقيقية إلا من خلال التصنيع"..وهذه العملية تحتاج إلي ما يسمي "نواة صناعية صلبة" ولعل هذه النواة تتمثل في الفترة الحالية بانقاذ "قلعة الصناعة" كما كان يسمي مصنع الحديد والصلب في حلوان قبل تدهور أوضاعه.
صحيح ان هذه الصناعة نمت وتوسعت من خلال مصانع أخري متعددة وزاد إنتاجها ولكن هذه المصانع جميعها ليس من بينها مصنع يمكن أن يتفوق علي مصنع حلوان إذا أعيد ترميمه وبناؤه من خلال خطة جري الحديث عنها طويلا لكنها توقفت ولم تر النور. لماذا؟ هذه قضية تتعدد فيها الاجتهادات ولكن أغلبية أصابع الاتهام تشير إلي أن تدهور أوضاع الصناعة بعامة ترجع - كما سبق - إلي سياسة الانفتاح الاقتصادي والخصخصة.
"أبو الصناعة" يتحدث
علي أية حال ومع ضرورة مراجعة الأخطاء ونقدها وتقويمها فإنه بعد حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي وطرحه "برنامج إنقاذ الصناعة" لتقوم بالدور المنوط بها في بناء صرح هذا الوطن وتقدمه وتنميته أصبحت الكرة الآن في ملعب الحكومة التي يجب أن تبادر إلي تطبيق بنود الإنقاذ وليس هذا صعبا ولا عسيرا فلنا أن نستفيد ونستعيد تجربتنا في التصنيع الشامل في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ولعل من خير من يعرض ويشرح ذلك الدكتور عزيز صدقي أول وزير للصناعة في عام 1956 والرجل الذي استحق لقب "أبو الصناعة المصرية" في محاضرة له في ندوة بعنوان: "ثورة 23 يوليو - قضايا الحاضر وتحديات المستقبل" في عام 1986 عرض الخطوط العريضة لاستراتيجية تصنيع مصر: كيف وضعت خطتها؟ ومن شارك في وضع بداياتها؟ ثم كيف بدأ التنفيذ؟
عرض أولا الدكتور عزيز صدقي رحمه الله أوضاع الصناعة عند قيام ثورة يوليو 1952حيث كانت نسبة الإنتاج الصناعي إلي الإنتاج القومي أقل من 10%.. وكنا - بالتالي نعتمد علي استيراد معظم احتياجاتنا من السلع المصنوعة كنا نستورد كل شيء: القلم الذي نكتب به والورق الذي نستخدمه. السماد اللازم للزراعة. زيت الطعام. منتجات الألبان. السيارات. الدراجات. الثلاجات. الأفران. الإطارات. أجهزة الراديو وحتي المنسوجات التي نحتاجها لكسائنا - سواء قطنية أو صوفية.
كنا نستوردها من الخارج والحقيقة كنا نستورد كل شيء!!
إذن ماذا حدث وكيف حدث كي تبدأ مصر تصنيع هذا كله وغيره وتعود لتصدر بدلا من أن تستورد؟
وفي جواب هذا السؤال روي أبو الصناعة المصرية تفصيلات كثيرة ولكن اللافت بينها كثيرا وطويلا هو قوله تحديدا بشأن البرنامج الأول للسنوات الخمس للصناعة:
"لقد شكلت لجانا مختلفة شملت أكثر من 120 خبيرا في الصناعة من رجال الأعمال والشركات الصناعية وأساتذة الجامعات وكل من رأيت أنه يمكن أن يساهم بخبرته في إعداد برنامج السنوات الخمس الأولي للصناعة.. ويجب أن نتذكر هنا أن توافر الخبرات بالقدر الذي نجده اليوم في بلدنا بعد أن سرنا شوطا طويلا في التصنيع لم يكن بالأمر السهل. ومع ذلك فقد عملت هذه المجموعة الرائدة من رجال الصناعة بجد وإخلاص حتي أتممنا وضع أول برنامج للسنوات الخمس للصناعة".
تاريخنا الاقتصادي
ويواصل عزيز صدقي عزف سيمفونية تصنيع مصر وكان من أرق النغمات قوله: "سارت عجلة التنمية بقوة وتم تنفيذ مشروع السنوات الخمس الأولي في ثلاث سنوات وفي ضوء النجاح الذي حققناه تقرر وضع الخطة الخمسية الأولي الشاملة للتنمية 1959 - 1964".
يختتم عزيز صديقي لحنه بنغمة حزينة: "للأسف فانه في فترة ما سمي بالانفتاح توقفت بالكامل تقريبا عملية التنمية الصناعية وقيل ان الاستثمار الأجنبي سيحل المشكلة وهو ما لم تحدث بطبيعة الحال. وعدنا مرة أخري إلي أن إنتاجنا في كثير من السلع أصبح لا يكفي. وبدأنا مرة أخري نعتمد علي استيرادنا من الخارج".
كان هذا العرض والتقويم لاستراتيجية تصنيع مصر قبل 30 عاما وأكثر والأمم الحية لا تضع تاريخها الاقتصادي في المتاحف ولا تركع وتسجد أمامه بل تستعيده لتبحث عن الإيجابيات وكيف تعظمها وتعرف السلبيات وكيف تتخلص منها وتجارب أمس لها ظروفها وقد مضت ولكن دروسها المستفادة باقية ويجب أن نستخلصها ونتعلم منها.. وكل هذا لابد أن يكون أمام الخبراء والعلماء ورجال الصناعة والاقتصاد الذين يجب أن يضعوا خطة انقاذ الصناعة.. واسلمي يا مصر.
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف