الجمهورية
عبد العال الباقورى
اللغة العربية تطرق أبواب الجامعات
هل يجوز في هذه الظروف أن نبتعد ولو قليلاً عن السياسة والكتابة السياسية بمعناها المباشر؟. لن نخلع من السياسة. بل سنطرق موضوعا له طابع سياسي خاص وكبير الأهمية. وإن طغت عليه جوانبه اللغوية والفكرية والثقافية. كيف لا وهو يتعلق باللسان العربي الذي يكاد يصبح غريباً في ديارنا. ولنا أن نلتفت حولنا لنجد الكيان الصهيوني قد أحيا لغة ميتة وهي العبرية. في حين أننا نكاد نخنق - ولا أقول تقتل - لغة حية لدرجة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قررت ادخال لغة الضاد ضمن اللغات الرسمية. لغات العمل. في الأمم المتحدة ومن ثم أصبح هذا اليوم - وهو 18 ديسمبر - يوماً عالمياً للغة العربية. ولكنه يمضي للأسف دون حس أو خبر أو صدي. أو خطوة تنتشر لغتنا من حالة التردي التي أصابتها والتي تتمثل في مظاهر عديدة. أصبح من أبرزها ضعف مستوي خريجي الجامعات في القراءة والكتابة والحديث السليمة.. وأصبح هذا مضرب الأمثال وصار يحظي باعتراف الجميع وشكاواهم.. وأصبح الحديث عن هذا الضعف متردداً ومكرراً بأقلام وألسنة وكتابات أهل العربية ومتخصصيها. وكل من لديه اهتمام بقضايا التعليم والفكر والثقافة. حيث إن اللغة هي قوام ذلك كله. ولا أريد أن أحيل إلي ملف بل ملفات الكتابة في ذلك لأنها عديدة لا أملك لها حصراً.
وعلي أية حال فلعل هذه الكتابات مظهر صحة ودليل حرص علي إحياء اللغة العربية تدريساً وتعليماً في مدارسنا وجامعاتنا. وقبل أن تتدهور الحال أكثر ويصبح لا شفاء منها. لا قدر الله.
لذلك كله فإننا أمام خطوة تبعث أملاً في تصحيح أوضاع تدريس اللغة العربية. بعودتعها إلي الجامعات. وهي عودة أمل أن تكون سريعة ومؤثرة في تحسين مستوي خريجي الجامعة بعد أن أصبح من بينهم من لا يستطيع قراءة سطرين من الكتابة قراءة سليمة دون أخطاء. فضلاً عن أن يكتبها أو ينطقها.
وتتمثل الخطوة الإيجابية في موافقة المجلس الأعلي للجامعات مؤخراً. وتحديداً في 16 يوليو الماضي. علي مقترح "نقابة علماء مصر" بتعميم تدريس مقرر اللغة العربية بجميع الجامعات المصرية.. ورفعت النقابة مقترحها إلي الأستاذ الدكتور وزير التعليم العالي والبحث العلمي ورفعه بدوره إلي مجلس الجامعات.
وأشارت نقابة علماء مصر في مقترحها إلي أن الهدف من هذا المقرر الدراسي هو "التركيز علي مهارات القراءة والكتابة نظراً لضعف مستوي اللغة العربية لدي طلابنا بالجامعات والاحتياج الملح لتطوير مستوي أداء اللغة العربية لدي خريجي الجامعات المصرية".
وأرفقت النقابة مقترحها بتصور تنفيذي لمحتويات المقرر. ومضمون هذه المحتويات جزء أصيل من الفكرة نفسها. وهو مضمون مرن بمعني أنه يراعي طبيعة الدراسة لدي طلاب كل كلية. وقد نصت مقدمة التصور التنفيذي للمقترح علي أنه "إنطلاقاً مما أقره الدستور المصري من أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة المصرية. وما التزم به قانون تنظيم الجامعات من أن يكون التدريس في الجامعات المصرية باللغة العربية باستثناء الدروس التي تقتضي غير ذلك. وعلي أساس من العمل علي تطوير الجامعات المصرية وما يفرضه ذلك من وجود مقررات دراسية تمثل متطلبات جامعة عامة يشترك جميع طلاب الجامعة في دراستها. فانه من الواجب أن يكون في صدارة هذه المقررات العامة "مقرر اللغة العربية" بوصفها المكون الأساسي للهوية الثقافية والفكرية للإنسان المصري. والوسيلة الأصلية التي تمكنه من التعبير عن نفسه وعن رؤاه وأفكاره من جهة. وفهم رسائل غيره وأهدافهم ومواقفهم من جهة أخري. بما يسمح له بتحقيق تواصل صحيح ومثمر مع الآخرين...". وتضمن التصور الذي أعدته "نقابة علماء مصر" تفصيلا لبنية المقرر المقترح للجامعات المصرية. وهو يتكون من بندين أساسيين هما: المبادئ العامة للغة العربية. ومبادئ اللغة العربية التخصصية. وينقسم الأساسي الأول إلي: النظام اللغوي. وظواهر القراءة. وظواهر الكتابة.
أما الركن الثاني فيهدف إلي ربط تعلم اللغة العربية بتخصص الطالب الدراسي. ويتكون من أبواب هي: التوسع اللغوي. والمصطلح. والمعجم والتراكيب.
ولا يحتاج الأمر إلي إعلان أو تأكيد حماسي العبد لله وترحيبه بهذه الخطوة الجامعية ذات الأهمية القصوي ليس لغوياً فقط بل وفكريا وثقافيا وعلميا. وبعد موافقة المجلس الأعلي علي هذا المقرر. يأتي دور مجالس الجامعات ومجالس الكليات المختلفة. ولعل تدريس هذا المقرر يبدأ من العام الدراسي المقبل. فخير البر عاجله. وليس من الصعب ترجمة التصور المقترح إلي مقرر دراسي متكامل يليق بالجامعة وأبنائها وأساتذتها. فإذا كان ذلك غير ميسور لأن العام الدراسي الجديد علي الأبواب. فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله. ويمكن البدء في تدريس هذا المقرر بمقرر عام حول اللغة العربية وأهميتها وتاريخها. إن هذه خطوة يجب أن تكتمل وتتواصل ولا يتأجل تنفيذها. والتحية واجبة لنقابة علماء مصر صاحبة المبادرة التي يجب أن تتابعها إلي أن تطرح ثمراتها اليانعات.
.. وجامعات ضد "الحالات الخاصة"؟
هل صحيح أن كليات في بعض جامعاتنا - باستثناء جامعة القاهرة - تعارض الدستور جهاراً نهاراً برفضها حق ذوي الاحتياجات الخاصة في الالتحاق ببعض أقسامها؟. علماً بأن الدستور في ثلاث من مواده كفل حقوقاً متساوية لهم مع أندادهم من غير ذوي الحالات الخاصة. ولا أقول الأسوياء. فربما يكون بعض ذوي الاحتياجات الخاصة أكثر تفوقاً في مجالات عن هؤلاء "الأسوياء".
وقبل الدخول في تفصيلات هذه القضية. يجب أن نقف باحترام وإجلال عند نص دستوري متعدد البنود منها: "تكفل الدولة حقوق الأطفال ذوي الإعاقة وتأهيلهم واندماجهم في المجتمع" "المادة رقم 80".
أما المادة "244" فتقول نصاً: "تعمل الدولة علي تمثيل الشباب والمسيحيين والأشخاص ذوي الإعاقة والمصريين المقيمين في الخارج تمثيلاً ملائماً في أول مجلس للنواب "ينتخب بعد إقرار هذا الدستور".
أما المادة الأم في هذا الشأن فهي المادة "53" والتي تنص: "المواطنون لدي القانون سواء. وهم مستاوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة. لا تمييز بينهم بسبب الدين. أو العقيدة. أو الجنس. أو الأصل. أو العرق. أو اللون. أو اللغة. أو الإعاقة. أو المستوي الاجتماعي. أو الانتماء السياسي أو الجغرافي أو لأي سبب آخر".
إن هذه مادة فوق دستورية. وهي تقرر وضع ذوي الإعاقة أو حالات خاصة علي مستوي سواء مع غيرهم من جميع المواطنين. وحين نقرأ المادتين اللتين سبقت الإشارة إليهما مع هذه المادة فوق الدستورية تقف بداية ونهاية عند المساواة التامة بين المواطنين سواء معاقين أو غير معاقين. من ثم فان من يخل بحق لصاحب حالة خاصة فانه في موقف من يعارض الدستور ويناطحه وهذا ضرب من التمييز الذي يعاقب عليه القانون. طبقا للمادة "53" أيضاً.
إذن من أين جاءت سلطة مجالس بعض الكليات في حرمان المعاقين من الالتحاق ببعض أقسامها؟ إني لا أتحدث ولا أشير إلي كلية محددة في هذه الجامعة أو تلك. بل أتحدث عن أي كلية وكل كلية تخرق الدستور عياناً جهاراً. وتعتدي علي حقوق دستورية مقررة. إن الوقت لم يسعفن في تقصي الأوضاع في جميع الكليات الجامعية. ولكن أمامي مثال محدد قد يكون نموذجاً لكليات عديدة أخري.. ففي 16 يوليو الماضي نشرت صحيفة يومية نبأ مفصلا عن شروط القبول في العام الجامعي في هذه الكلية و حددت مواقف مختلف الأقسام من قبول أو عدم قبول المكفوفين والحالات الخاصة حيث نجد أن حوالي 60% من أقسام الكلية لا تقبل المكفوفين والحالات الخاصة تبدو التفرقة بين الأقسام المختلفة غير منطقية أو غير مبررة. فمثلاً قسم اللغة العربية. وقسم العبرية لا يقبل!. التاريخ يقبل والمكتبات والمعلومات لا يقبل! أما أقسام الحضارة الأوروبية وعلم النفس وعلوم الاتصال والإعلام فلا تقبل.
بعد حوالي أسبوع من نشر هذا الخبر. وضعت الكلية نفسها - والاهتمام أولاً وأخيراً بالنموذج وليس باسم الكلية - علي موقعها علي الإنترنت إعلاناً ينص علي أن مجلسها الأول للعام الجامعي 2017 - 2018 سوف تتيح أقسام الكلية المختلفة للمكفوفين وذوي الاحتياجات الخاصة في إطار إعلان السيد رئيس الجمهورية عام 2018 عام الشخصية ذات الإعاقة. وبناء عليه تم الاتفاق مع رئيسة لجنة شئون الإعاقة بالمجلس القومي للمرأة علي حضورها أو مجلس كلية في سبتمبر المقبل لتقدم عرضاً عن كيفية الاتاحة لذوي الإعاقة في أقسام الكلية التي تتطلب الدراسة فيها طبيعة خاصة ولا تقبل المكفوفين وذوي الإعاقة ضمن شروطها للالتحاق. وستسعي جميع الأقسام جاهدة من أجل اتاحة الدراسة بها لذوي الإعاقة حتي إعلان الكلية بأكملها متاحة لهم..!!
عندي تعليقات كثيرة علي هذا الاعتراف. ويكفي التساؤل لماذا الاجتماع في سبتمبر؟ ما جدوي هذا بعد إغلاق مكتب التنسيق بجميع مراحله وبعد ضياع الفرصة أمام كثيرين ممن يطرقون أبواب هذه الكلية وأبواب غيرها من كليات جامعية أخري باستثناء جامعة القاهرة فقط.. واسلمي يا مصر.
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف