الأهرام
د . احمد صقر عاشور
مشروعات إستراتيجية كروافع للتنمية المستدامة
تحتاج مصر لتحقيق تقدم وتنمية متسارعة ومستدامة أيضا إلى مجموعة من المبادرات التى تسد الفجوة بين مصر والعالم المتقدم فى مجالات التكنولوجيا والابتكار والاتصالات والتعليم. فهذه المجالات تمثل الآن البنية الأساسية لتقدم أى مجتمع، فضلا عن كونها تشكل الأساس فى مجتمع واقتصاد المعرفة. هناك إشارات فى استراتيجية التنمية المستدامة لعام 2030 لهذه المجالات، لكن لا توجد مبادرات أو مشروعات تتناولها بصورة محددة. هذا فضلا عن أن تناولها ينبغى أن يبدأ الآن لكى تؤتى هذه المبادرات أو المشروعات ثمارها وعوائدها الهائلة، وتبدأ فى إحداث تأثيرها الاستراتيجى خلال سنوات قليلة. وتتمثل هذه المشروعات فى الآتي:

(1) حدائق العلوم والتكنولوجيا: تحويل مصر إلى واحة للإبداع والابتكار التكنولوجى فى المنطقة وتنمية القيمة الاقتصادية والتجارية لللمبتكرات والمخترعات من خلال إنشاء حدائق للعلوم والابتكار والتكنولوجيا.

(2) التعليم الإلكتروني: التوسع فى التعليم الإلكترونى عن بعد ليكون فى متناول كل فئات المجتمع القطاعات اقتصادية وكل مراحل التعليم وليكون أداة لمحو الأمية الإلكترونية أو الرقمية بالتضافر مع محو الأمية الأبجدية تمهيدا لإيجاد قاعدة بشرية مؤهلة إلكترونيا وتستطيع الوفاء بمتطلبات المجتمع المعرفى والرقمي.

(3) تحويل مصر إلى واحة ومركز عالمى للإنترنت: يكون هذا من خلال مد الكابل البحرى العملاق ذى القدرة والسعة والسرعة الفائقة الذى يمتد عبر أعماق المحيط الأطلسى ويربط بين فرجينيا بالولايات المتحدة وبين بلباو باسبانيا، ليصل لمصر عبر أعماق البحر المتوسط من خلال بورسعيد. وبهذا يغذى مد هذا الكابل الإنترنت والاتصالات فى مصر ليحدث نقلة هائلة فيها. وبعبوره من خلال قناة السويس إلى دول شرق افريقيا والخليج ثم غرب آسيا سيجعل مصر بوابة مرور ومركز إمداد لخدمة هذا الكابل العملاق. وسنتناول فى هذا المقال دور حدائق العلوم والتكنولوجيا فى احتضان الابتكارات والمخترعات وتحويلها إلى قيمة اقتصادية، ثم تتناول لم يتم تسليط الضوء من قبل فى مصر على الدور المهم والاستراتيجى الذى تلعبه حدائق العلوم والتكنولوجيا فى تحفيز الابتكار الذى تنتجه وحدات ومراكز البحوث فى الجامعات وغيرها من المؤسسات، وفى تحويل المخترعات والمبتكرات الى منتجات ووسائل تكنولوجية وإلى مشروعات اقتصادية. ولم يتم التعرف والاستفادة من رصيد الخبرات العالمية فى هذا المجال. فالجانب الاستثمارى والتجارى يعتبر غائبا فى كل المنظومة الخاصة بالبحث العلمى فى مصر. لهذا فإن ضعف المنظومة لم يكن مقصورا على محدودية مؤشرات وإحصاءات براءات الاختراع، وإنما على العائد الاقتصادى المتحقق منها. ومن المفارقة أن يكون لمصر قاعدة علمية وأكاديمية واسعة بحكم أعداد مؤسساتها الجامعية والبحثية والعاملين فيها، لكن إنتاجها من براءات الاختراع شديد التواضع وعوائدها منها غير موجودة. فخلال الفترة من 1977 حتى 2015 (أى عبر ما يقرب من أربعة عقود) بلغ عدد براءات الاختراع المسجلة فى مصر 275 براءة، بينما بلغ فى الولايات المتحدة ما يفوق ثلاثة ملايين براءة وفى اليابان اكثر من مليون وفى ألمانيا 366 ألفا وكوريا الجنوبية 167 ألفا وفى إسرائيل 36 ألفا. وقد بلغ عائد براءات الاختراع فى سنة واحدة فقط هى 2015 فى الولايات المتحدة نحو 125 مليار دولار، وفى اليابان 37 مليار دولار وفى ألمانيا 15 مليارا وفى كوريا الجنوبية 6 مليارات وفى إسرائيل بلغ مليارا. ناهيك عن دور البراءات كروافع وكمضاعف اقتصادى فى مختلف القطاعات التى تجعل هذه الأرقام تتضاعف مرات ومرات نتيجة مجمل تأثيرها الاقتصادي. هذا وقد بلغت عوائد براءات الاختراع فى مصر فى 2015 صفرا، أى ان تسجيلها كبراءات لم يقترن باستخدامات تجارية أو اقتصادية. وإذا لم تستخدم فإن مضاعفها أو دورها كروافع اقتصادية يصبح هو أيضا صفرا. وهناك مفارقة أخرى تتمثل فى أن مجمل ما تحققه كل الدول العربية مجتمعة من عوائد للبراءات تبلغ نسبته أقل من 6% ( %5,8) مما تحققه إسرائيل من عوائد مباشرة لبراءات الاختراع. المعنى المستخلص من هذه المؤشرات أن مستقبل وفرصة تحقيق نقلة تنموية كبرى لمصر مرهون بتحفيز الابتكار وتحويل نتائجه إلى براءات مسجلة لحمايتها، على أن يقترن هذا باحتضان البراءات والابتكارات وتيسير وصلها بمجتمع المستثمرين والقطاعات الانتاجية والصناعية، لكى تطبق وتستخدم تجاريا. ويعود الوضع الراهن إلى غياب حلقة الوصل بين مؤسسات البحث العلمى ومجتمع المبتكرين وحتى المؤسسات التى أنشئت لتحفيز واحتضان المبتكرات مثل مدينة البحث العلمى فى برج العرب (وهى هيئة حكومية)، أو تلك المرتبطة بالقرية الذكية، أو مدينة زويل للبحث العلمي، فكلها تفتقر إلى حلقة الوصل مع مجتمع المستثمرين. فهذه الحلقة تمثل المحفز والدافع الأقوى والأعظم للابتكار. يضاف إلى كل هذا القيود التى كانت مفروضة على الجامعات فى إنشاء شركات أو الدخول فى مشروعات ذات طابع تجاري، فقد عملت هذه القيود على إضعاف الحافز للابتكار وحرمت هذه المؤسسات ومعها الاقتصاد والمجتمع برمته من عوائد الابتكار. وتقوم حدائق العلوم والتكنولوجيا وفق الخبرات العالمية بها بأدوار ووظائف تسد هذا النقص فى الوضع المصرى والعربي. فهى تقوم بالجذب والاستقطاب والفرز للمبتكرات وتساعد على تسجيل الواعد منها وتوفر حضانات أعمال وحضانات تكنولوجية وخدمات تساعد على تطوير وإنضاج الأفكار المبتكرة وتقوم بتوفير فرصة لتنمية قدرات المشروعات والأفكار الابتكارية الناشئة وكذلك أصحابها والقائمون عليها، وأيضا (وهذا هو الأهم فى الحالة المصرية) دراسة الجدوى الاقتصادية والاستثمارية للواعد من هذه الابتكارات ووصلها مع مجتمع المستثمرين ومؤسساتهم. وبهذا يمكن أن تقوم حدائق العلوم والتكنولوجيا بأدوار اقتصادية وتنموية شديدة الأهمية لمصر والمنطقة العربية. ومن المفضل لتوفير مقومات النجاح والانطلاق أن تؤسس هذه الحدائق كقطاع خاص، على أن يتم توفير مقومات نجاحها وقيامها بأدوارها على نحو يفيد الاقتصاد القومى من خلال أهدافها وأدوارها وآليات عملها والأطراف المؤسسة لها. وهناك فى طريق الإنشاء كيان للتكنولوجيا سيستخدم الامكانات العلمية والبحثية التى تملكها مصر ويصلها بتلك الموجودة ببعض دول المنطقة. وهذا الكيان يشارك فيه المستثمر العربى الوليد بن طلال، فضلا عن عدد من المؤسسات المالية. وهناك كيان آخر سيأخذ صورة صندوق استثمار يتم الآن الإعداد له من قبل مجموعة من العلماء والخبراء المصريين مع مجموعة من المؤسسات المالية والاستثمارية المصرية. ويستهدف المشروع الأخير سد الفجوة الحالية فى منظومة الابتكار فى مصر وعلى المستوى العربي، والبدء من ابتكارات وبراءات اختراع متنوعة موجودة فعلا ويسهل تحويلها إلى مشروعات استثمارية ومسارات تجارية. ويتميز الأخير إنه مبادرة مصرية يساندها خبرات دولية ابتكارية وعلمية واقتصادية فى موضوع حدائق العلوم والتكنولوجيا. ويبقى أن تقدم الحكومة والوزارات المعنية فيها الدعم والمساندة لتحقيق الطموحات التنموية المرتبطة بهذه المبادرة وبغيرها، وأن يهيأ لمثل هذه المبادرات البيئة المؤسسية التى تمكن من قيامها بأدوارها وتحقيقها أهدافها. هناك بادرات مبشرة ظهرت اخيرا فى اهتمام الدولة بالابتكارات، ويبقى أن يترجم هذا إلى سياسات وممارسات وواقع ملموس.
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف