المصرى اليوم
عبد الناصر سلامة
يا وزير الرى.. حرام عليك
لأن معالى السيد وزير الرى لا يأبه، ولأن سيادته يعيش حالة شبه الدولة، كانت النتيجة «ودن من طين وأخرى من عجين»، ذلك أن الأمراض أصبحت تنهش فى أجساد 40 ألف نسمة، ما بين أمراض جلدية نتيجة التعامل مع مياه الصرف والمصارف، وأمراض الفشل الكلوى والكبدى نتيجة استخدامها، ناهيك عن الأورام وأمراض السرطان جرَّاء تناول المحاصيل الناتجة عن هذه المياه الملوثة بكل مخلفات المصانع، الأمر الآخر هو أن 3000 فدان على الأقل أصبحت مهددة بالبوار، على الرغم من وقوعها فى قلب الدلتا، وعلى الرغم من مرور مياه الرى عليها، وعلى الرغم من أنها من أخصب الأراضى الزراعية على الإطلاق، إلا أنها الحالة المصرية، التى تتحدث طوال الوقت عن استصلاح الصحراء، فى الوقت الذى أصبحت فيه أرض الدلتا مهددة، ما بين مطرقة التعديات وسندان البوار، لمجرد إهمال المسؤولين لا أكثر ولا أقل.

هذه الأرض التى نتحدث عنها أيها السادة تقع فى نطاق قرية بانوب بمركز نبروه، محافظة الدقهلية، ذلك أن ترعة الرى المارّة بالقرية، والمعروفة لدى الرى بـ(الجنَّابية اليُسرى)، أصبحت لا تفى بالغرض، نتيجة التعديات على امتدادها فيما قبل القرية بعدة كيلومترات، ونتيجة ضعف كمية المياه المسموح بضخها أصلاً، إلا أن الطامة الكبرى هى موقف وزارة الرى من حل هذه المشكلة، ممثلاً فى رفض مد القرية بماكينة رفع، فقط لا غير، يتم تركيبها على (بحر تيرة)، وهو فرع النيل المارّ من أمام القرية أيضاً لتغذية «الجنابية» المذكورة، ذلك أن الوزارة تعتبر أن الأمر لا يستحق، لا صحة الناس، ولا معاناتهم، ولا حالة الأرض، ولا مستقبلها، ولا ما يمكن أن ينتج عن ذلك من آثار سلبية.

لا أدرى لماذا اعتاد المسؤولون لدينا عدم حل المشكلات إلا بعد تصعيدها، ذلك أنه فى مواقع أخرى تجمهر الأهالى وقاموا بقطع الطرق، وفعلوا ما فعلوا، فما كان إلا أن انتقل المسؤولون من كل شكل ولون، وتم التوجيه بالحل الفورى، نحن هنا ربما نتعامل مع مواطنين أكثر تحضراً، ربما يثقون فى الحكومة أكثر من الآخرين، ربما صبرهم أطول، ربما لا يحبذون العنف، ربما يحترمون القانون، ربما يخشون الصدام، لماذا لا نحترم مثل هذه الحالات، لماذا لا ينتقل السيد محافظ الدقهلية إلى القرية بعد أن وصلته عشرات الاستغاثات، لماذا لا ينتقل وزير الرى بصفة شخصية، بعد أن رفض أيضاً بصفة شخصية طلب أبناء القرية!!.

الاعتماد على تقارير صغار الموظفين هنا أمر غير مُجْدٍ، ذلك أنه يشوبها الكثير مما يشوب المحليات بصفة عامة، الأمر أكبر من ذلك يا سيادة وزير الرى، أرجو الاعتماد فى ذلك على لجنة على مستوى الحدث، ويا سيادة محافظ الدقهلية أرجو التقصى عن الحالة الصحية لمواطنى هذه المنطقة فى الفترة الأخيرة تحديداً، نحن نتحدث عن آلاف المواطنين وآلاف الأفدنة، الأمر يستحق العناء، قد يحدث ما لا تُحمد عقباه على المستوى الصحى بين لحظة وأخرى، أو على المستوى الأمنى فى أى وقت، هذا إذا لم تكن تعنيكم الأرض ولا تأبهون بالمواطن.

ما أود الإشارة إليه هو أنه فى السابق كانت محافظة الدقهلية عموماً أولى المحافظات على مستوى الجمهورية فيما يتعلق بالجهود الذاتية، حصلت على كأس الجمهورية فى هذا المجال عدة سنوات متتالية فى زمن المحافظ الراحل، اللواء سعد الشربينى، وكانت المنطقة التى نحن بصددها من أكثر المناطق مشاركةً فى ذلك، سواء تعلق الأمر ببناء مدارس، أو توصيل مياه الشرب، أو تركيب شبكات صرف صحى، إلى غير ذلك من كثير، الآن لم يعد هناك مَن يستطيع المساهمة بأى نوع، نتيجة حالة الفقر المدقع التى يعيشها الناس بصفة عامة، وإلا لما لجأوا إلى الدولة يطلبون إنقاذهم بتركيب ماكينة رفع كل مقايساتها التقديرية جاهزة لدى مصلحة الرى.

كنت أتوقع أن تنتفض وزارة الزراعة إنقاذاً للأرض من البوار من جهة، ومن جهة أخرى بعد إنتاج محاصيل يعتمد الجزء الأكبر منها على مياه المصارف، كنت أتوقع أن تنتفض وزارة الصحة انطلاقاً من تقارير يتم رفعها بصفة دورية توضح أن هناك أمرا ما غير طبيعى فى هذه المنطقة أو تلك، ربما كان لغياب المجالس الشعبية المحلية الأثر الأكبر فيما يجرى، ذلك أن هناك حلقة مفقودة الآن بين المواطن والسلطة التنفيذية لم يستطع أعضاء البرلمان فى الدوائر المختلفة شغلها، نتيجة اهتمام كل منهم بمسقط رأسه، دون أدنى اهتمام ببقية جغرافيا الدائرة الانتخابية.

على أى حال، مازلت أرى أن هذه المشكلة تتعلق بالدرجة الأولى بوزارة الرى، ذلك أنها المعنية بمد القرية بمعدات الرفع، إلا أنه يبدو أن استغاثات المواطنين وحدها لم تعد كافية، بما يجعلنا ندعو المحافظ إلى التدخل لصالح أبناء الإقليم، ذلك أن مجموعة تقارير طبية بما آل إليه حال المواطنين كفيلة بطرح قضية مضمونة النتائج أمام مجلس الدولة، كما أن تقارير أخرى عن نوعية المحاصيل المُنتَجة نتيجة الرى بمياه الصرف ترقى فى حد ذاتها إلى اللجوء للمحاكم الجنائية، وهو الأمر الذى مازلت أرى أننا فى غنى عنه حتى الآن، ألم أتحدث فى البداية عن مواطنين متحضرين؟ أرجو ألا تجبروهم على أن يصبحوا غير ذلك.
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف