فيتو
عبد الناصر محمد
بداية عظيمة بالقلم الرصاص والأستيكة!
أعلنت وزارة التجارة والصناعة عن بداية خطوات جادة تتخذها إحدى المجموعات التجارية الخاصة لإنشاء مصنع ينتج القلم الرصاص والجاف والأستيكة والبراية، وبعض الأدوات المكتبية الخفيفة الأخرى مثل المسطرة والفرجار والأدوات الهندسية إلخ، مع إنتاج أستك الفلوس، وبدلا من تشجيع أصحاب الفكرة على الإسراع بتنفيذ مشروعهم حتى بدأت موجة عارمة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي من إنشاء مصنع للقلم الرصاص، وتجد البعض يسخر من أن العالم ينتج الصاروخ ونحن ننتج القلم الرصاص، ويؤسفني بالطبع أن اتهم مثل هؤلاء بالسطحية والتفاهة، وعدم فهم الأمور على حقيقتها أو تقديرها حق التقدير، لكن ذلك الاتهام هو الواقع بالفعل..

فالدول العظمى التي تنتج الصاروخ هي نفسها التي تنتج القلم الرصاص، ولا مجال في ملف الإنتاج من تسفيه المنتج أيا كان هذا المنتج، ونستطيع بكل بساطة أن نفهم جهل هؤلاء إذا علمنا أن السوق المحلية تعتمد على استيراد الأقلام الرصاص والجاف والأستيكة منذ فترة طويلة بنسبة تصل إلى 80%، وذلك لعدة أسباب أهمها عدم وجود جدوى اقتصادية لتصنيعها، لأنها تستورد بأسعار رخيصة من الخارج، لذا لم يكن هناك مجال لمنافسة المستورد، لكن بعد تحرير أسعار الصرف أصبح هناك دافع اقتصادي بحت وجدوى اقتصادية "بحسبة المكسب والخسارة" لكل تاجر أو صانع..

حيث أدى تحرير سعر صرف الدولار أمام الجنيه إلى ارتفاع تكلفة الاستيراد من الخارج، وهذا العنصر أصبح ميزة تنافسية كبيرة وفرصة استثمارية تتوافر فيها عناصر النجاح لكل رجل أعمال أو تاجر قرر التحول من التجارة إلى التصنيع، وهو ما يفسر إعلان الخطوة التي اتخذتها المجموعة التجارية العاملة في الأدوات المكتبية للتحول من تاجر مستورد إلى صانع لمنتج مصري يباع محليًا وصالح للتصدير بجودة عالمية.

وقد بح صوتنا للمطالبة بمثل هذه الخطوات، وكثيرا ما نشرنا في هذا المكان بعض المقالات نطالب فيها بإنشاء هيئة رقابية على الواردات من صلاحيتها منع استيراد السلع البسيطة، والأمر بإنشاء مصانع لها مع التنسيق مع المستهلك والمصنع؛ ليكتفي المستهلك بما ينتجه المصنع المحلي، وضربنا أمثلة للسلع البسيطة التي تستهلك ملايين الدولارات ونستوردها من الخارج مثل الآيس كريم وأساتك الفلوس حتى عجينة الطعمية إلخ، وطالبنا بوقف هذه المهازل، وعندما تنتبه بعض المجموعات التجارية للأمر وتقرر افتتاح مصنع يقينا شر استيراد الأدوات المكتبية تجد السخرية من الجهلاء!

فمصر تتكلف سنويا ملايين الدولارات لاستيراد عدد كبير من مكونات إنتاج أصبح من الممكن الاستغناء عنها بعد ارتفاع تكلفة الاستيراد وتأسيس صناعات صغيرة ومتوسطة مغذية للمصانع والشركات الكبرى، فيقدر مثلا حجم استيراد المجموعة التجارية صاحبة مشروع الأقلام الرصاص في هذا البند فقط وحدها نحو 10 ملايين دولار سنويا، لذلك قررت المجموعة دراسة مشروع إنتاجه في مصر للإنتاج المحلي والتصدير، كما يبلغ حجم استيراد مصر من "استيك الفلوس" نحو 70 مليون دولار سنويا.

فالمشروع الذي ستقوم به المجموعة التجارية مربح جدا من الناحية التجارية، كما أنه مفيد للاقتصاد المصري الذي يطمح إلى إنشاء صناعات صغيرة ومتوسطة مغذية للمصانع المصرية، توفر البديل المحلي للمنتج المستورد، وتوفر العملة الصعبة على موازنة الدولة وفرص عمل للشباب الجاد، كما أن هذا المشروع سيفتح شهية بعض صغار المستثمرين في افتتاح مشروعات صغيرة مماثلة أو متوسطة وكلها جادة؛ لأن إنتاجها سيروج في السوق المصرية ويتم تصديره للخارج، وبالتالي تكون فرصة مصر في المنافسة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة فرصة كبيرة..

فهناك دولا تعتمد في اقتصادها على مثل هذه المشروعات، فمثلا دولة فيتنام التي زارها الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ فترة وجيزة يقدر إجمالي صادراتها بنحو 170 مليار دولار، منهم 100 مليار دولار صناعات صغيرة ومتوسطة، وهو ما يعكس نجاح تجربة هذه الدولة منذ الثمانينيات في التحول من الاستيراد إلى تأسيس صناعات مغذية وصناعات كبرى وضعتها في صدارة الدول الآسيوية المصدرة رغم أنها لا تمتلك أية موارد، ونحن نملك موارد ضخمة نستطيع من خلالها المنافسة والبيع بأسعار أرخص من الصين، فإلى الأمام أيتها المجموعة التجارية وأي كيان ينشئ مصنعا لإنتاج أي من السلع التي تحتاجها السوق المصرية، وليذهب الساخرون إلى البحر ليشربوا من مائه حتى يخلصنا الله من أمثالهم.
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف