الجمهورية
مؤمن ماجد
فيروز والديسبل
فيروز ونجاة وأم كلثوم ثلاث قلاع حصينة احتمي بها من الصخب.. الضوضاء تغتالنا كل يوم.. الضجيج يحاصرنا من الوريد إلي الوريد.. الصوت العالي يستنزف أعصابنا ببطء قاتل.. الحل عندي أن أعشق الحياة مع فيروز.. أحلق إلي النجوم مع نجاة.. أذوب طرباً مع أم كلثوم.
القاهرة أصبحت ضمن أكثر عشر مدن في العالم ضجيجاً.. وزارة الصحة تحذر من أن ضغط الدم يرتفع بنسبة 33% للمعرضين للضوضاء.. وزارة البيئة تقول إن التلوث السمعي يخفض الإنتاج بنسبة 14% ومع ذلك لانزال نشارك في سيمفونية الإزعاج بكل إصرار.
وحدة قياس الصوت تسمي "ديسبل" والحد الأقصي المسموح به ليعيش الإنسان حياة مستقرة 5 ديسبل ولكن متوسطها في القاهرة 90 ديسبل ويزيد في الأحياء العشوائية إلي 120 ديسبل.. الموت دائماً يحاصر الفقراء.
إشارة المرور حمراء لكن أصوات الكلاكسات لا تنقطع دون سبب مفهوم.. التوك توك والفيسبا والموتوسيكل الصيني لا تتوقف عن إطلاق أبواقها.. أغاني النواح تتردد عالية من الميكروباصات.. حشرجة المطربين الشعبيين تطاردك من المقاهي وعلي عربات الباعة الجائلين.
الأفراح تحولت إلي قاعات تعذيب.. "دي جي" تتجاوز شدته القدرة علي الاحتمال.. موكب العروس وصلة تعذيب بالكلاكسات للسكان والمارة.. حتي في المأتم يكون علو الصوت أشبه بعذاب القبر.
في الفضائيات تتباري البرامج الحوارية في استقطاب أصحاب الأصوات العالية.. "تتر" المقدمة والنهاية لا يخلو من الصخب.. نشرة الأخبار تستخدم فواصل موسيقية بشعة.
هل أصبح القبح عادة؟ هل فقدنا الرغبة في الاستمتاع بالهدوء؟ هل نرفض أن نعيش متحضرين؟ لماذا الإسراف في إزعاج أنفسنا والآخرين؟ هل نبدأ مبادرة لإنقاذ أعصابنا من هذا التلوث السمعي الذي يدمر قدرتنا علي التركيز ويفسد متعة الحياة؟
لا أظن أن أحداً سيهتم بذلك وسط معركة البحث عن لقمة العيش وفي زمن سقوط القيم وضياع الأخلاق.. لذلك سأحتمي بالقلاع الثلاث الحصينة.. أعشق الحياة مع فيروز.. أحلق إلي النجوم مع نجاة.. أذوب طرباً مع أم كلثوم.
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف