الجمهورية
عبد العال الباقورى
قتلة متوحشون جريمة الجمعة في مسجد الروضة
الإرهاب في جوهره وأصله أمة واحدة. خاصة ما يسميه البعض "الإرهاب الإسلامي". باسم الإسلام. وتحت عباءة الإسلام. والإسلام منه بريء بريء. فهو يقوم علي أساس قويم: ûمَنْ َقَتَل نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسي أَوْ فَسَادي فِي الأَرْضَ فَكَـأنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا‎.. هذا هو الإسلام. فأين منه ما يجري ضد بيوت ا¦ من مساجد وكنائس وبيوت يُذكر فيها اسم ا¦. وآخر مشاهده الجريمة الكبري في يوم الجمعة 24 نوفمبر الحالي. في مسجد الروضة في بئر العبد. بشمال سيناء. والتي راح ضحيتها أكثر من 300 شهيد من بينهم 27 طفلاً. وعشرات المصابين. ومرة أخري ــ ولعلها تكون أخيرة ــ شهدت محافظات مصر جنازات الشهداء التي تهتف باسم الوطن. وتطالب بالقصاص العادل. وليس بالثأر. فالثأر عمل فردي. أما الشعوب فتقتص وتؤدب وتنتقم. وهي تدرك أن لها في القصاص حياة. وكما شهدت المساجد صلوات الغائب علي شهداء الجريمة الكبري في مسجد في يوم جمعة. دقت الكنائس أجراسها وداعاً للشهداء وأصدرت الأحزاب والقوي المختلفة والنقابات بيانات تدين الجريمة وتطالب بأن تطول يد العدالة كل من شارك فيها. وحشدت الحكومة إمكاناتها. وقررت مصر كلها قرارها الواحد الموحد. وأن العدو الأول هو الإرهاب. وأن كل الإمكانات والقدرات يجب أن تحشد ضده ولا يجوز ــ في هذه المرحلةــ أن يقارن به أي خطر آخر كزيادة السكان أو الأمية. أو حتي التخلف ذاته. فما الإرهاب إلا نتاج له وثمرة مرة منه.
هل نقول إن جريمة المسجد الكبري غير قابلة للتكرار؟!.. إن هذه إرادة شعب وقرار حكم بكل سلطاته وكافة تشكيلاته. إن الحزن الذي سيطر علي مصر كلها وعلي المصريين جميعاً منذ ظهيرة يوم الجمعة الماضي هو قرار بذلك. ولكن من موقع الإدراك التام أن معركتنا ضد الإرهاب طويلة وليست قصيرة. وأن مصر تخوض معركة نبيلة نيابة عن الإقليم كله. وعن العالم أجمع. ولن تتبرم مصر ــ ولم تتبرم يوماًــ من حمل رسالتها العربية ومن أداء دورها العالمي. كل ما نريده أن يقف هؤلاء وأولاء معها. وأن يكونوا معها وليسوا عليها. وبعد اليوم لن تتردد مصر وقيادتها لحظة واحدة في فضح كل من يساندون الإرهاب إعلامياً أو مادياً أو عسكرياً.. وقد نفد صبرنا. ولم يعد في طاقتنا إلا كشف حقيقة كل الوجوه التي تزعم ــ عليناــ الوقوف ضد الإرهاب. في حين تقف معه سراً بالتأليب وأدوات مختلفة.
هل نقول مرة أخري إن جريمة المسجد الكبري غير قابلة للتكرار؟!.. إن هذه إرادة مصر التي لا تعرف في مثل هذه الظروف إلا الوحدة والصف المرصوص والجبهة الوطنية الصلدة ضد كل خطرــ وأي خطرــ يتهدد الوطن. فهل هناك تهديد أكبر من فتح نيران الأسلحة الرشاشة علي العابدين المصلين.. أي إرهاب هذا؟!.. وأي وحشية هذه التي تقتل المئات من المدنيين المسالمين الذين لا يحملون سلاحاً ولا يخوضون معركة. بل يركعون لله رب العالمين يحمدونه ويسبحونه.
عداء مقيت
مرة أخري. أي إرهاب هذا. وأي بشر هؤلاء؟!.. إنهم قتلة متوحشون. عقيدتهم ــ وبئس العقيدةــ هي "إدارة التوحش". لا تقل لي إن هذا اسم كتاب من كتب تنظيم "القاعدة" وإن القتلة في جريمة المسجد الكبري غالباً من تنظيم "داعش" ذلك أن الإرهاب ــ كما سبق القول ــ أمة واحدة. وسواء كان مؤلفه هو "أبوبكر ناجي" فيما يقال أو "أبوبكر البغدادي" خليفة "الدولة الإسلامية التي هوت فإن الأفكار الإرهابية التي نسمع عنها ونقرؤها هي نتاج عقل غير سوي. مصاب بلوثة ضد الإنسان والبشر. وبعداء لكل فكر سليم.. ومثل هذه الجماعات الشاذة وما أكثرها في تاريخ الأمم والشعوب والأديان. ولكن عمرها قصير. وإن كانت أفعالها مخربة ومدمرة. فهي لا تعرف إلا القتل والدمار والانتقام. وحين نصف جريمة المسجد الكبري بأنها عملية انتقامية. علينا أن نراجع ما حدث خلال شهر واحد. ففي يوم الجمعة 20 أكتوبر الماضي. وقعت جريمة الواحات المدبرة بليل. وفي غرب مصر. أي قبل شهر واحد من جريمة الجمعة في مسجد الروضة. وبين الجريمتين كانت عملية الهجوم علي فرع أحد البنوك في مدينة العريش في شرق مصر.. ثلاث جرائم تهز أركان أي بلد. ولكنها فجرت أحزان هذا الوطن. وبنيه.. فمضوا يبنون ويعمرون في الداخل. بل ويحتفلون بمهرجانات فنية مختلفة. وتواصل القيادة سياسة مصر الثابتة التي تدعو إلي الحوار وإلي تجنب الحروب. كما تواصل رسالتها لجمع الشمل العربي. وتحدد المواعيد والمواقيت للقاءات المصالحة الفلسطينية بعد انقسام دام 10 سنوات.. وتفصيلات ذلك العمل كله في الداخل وعلي المستوي العربي والدولي تفيض بها أنباء الصحف والإداعات والفضائيات. مما لا يحتاج إلي شرح وتدليل.. وهذا ما يوغر صدور هؤلاء القتلة. ويزيدهم حقداً وغلاً. فيندفعون إلي الانتقام الذي لن ينجيهم من قصاص الشعب ــ كل الشعب ــ ومن قتال الجيش والشرطة. وقد بدأ هذا. وسيستمر.
نظرة شاملة
في مقال نشر يوم السبت. أي أنه كُتب وأخذ مكانه علي صفحات "الأهرام" قبل جريمة الجمعة في مسجد الروضة. وتحت عنوان: "انتهت ظاهرة داعش ولكن وظائفها باقية" كتبت الدكتورة نيفين مسعد. أستاذ النظم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. والتي أعتز بالانتماء إليها. كتبت كلمات هادئة واضحة. وكأنها تستشرف تأثيرات "ما بعد داعش" علينا ونبهت إلي ما نبه إليه آخرون بقولها: "من حقنا أن نحتفل بهزيمة داعش كتنظيم. لكن من الواجب علينا أن ننظر للمشهد الإقليمي والدولي نظرة أوسع. وعندما نبحث في كيفية تجفيف منابع الإرهاب نولي اهتماماً للمصالح التي يخدعها هذا الإرهاب ونخطط تحركاتنا من منطق الوعي بها. فالمعركة مع الإرهاب ليست فكرية فقط. وليست اجتماعية اقتصادية فحسب. ولا هي تحسم بالمواجهة العسكرية وحدها. لكن ظاهرة الإرهاب لها أبعادها السياسية العابرة للحدود. وهي وثيقة الصلة بإعادة ترسيم الخرائط في منطقة الشرق الأوسط. وفي قلبها خريطة الوطن العربي".
وقد أشارت الدكتورة نيفين مسعد في مقالها هذا إلي "الخدمات" ما بين خدمات مالية وتجارية لبعض الأطراف. وخدمات أو وظائف أمنية لأطراف أخري منها إسرائيل. بل والولايات المتحدة نفسها.. ومن أراد دليلاً علي هذا. فليقرأ تغطية الصحف الإسرائيلية لجريمة يوم الجمعة في مسجد الروضة. سواء بالخبر أو بالتعليق.. ففي يوم الأحد. كانت عناوين الصحف الإسرائيلية كما يلي:
** "يديعوت أحرونوت" حمام دم في مسجد ــ العملية الأكبر في تاريخ مصر ــ 305 ضحايا.
** من عناوين "معاريف" الأسبوعية: داعش يذبح مئات المصلين في مسجد سيناء.
** "إسرائيل اليوم" مصر مذهولة من المذبحة وتقاتل.
** "ها آرتس" 305 قتلي علي الأقل في مسجد في شمال سيناء.
إن كان بعض الحيدة. يبدو في أحد العناوين. فإن العناوين الأخري يصدق عليها: "ما فيك يظهر علي فيك" أي فمك.. وهو ما يعنيه الشاعر الجاهلي بقوله:
ومهما يكن عند امرئ من سريرة
وإن خالها تَخْفَي علي الناس تُعْلَم
ولعل هذا يتضح من تعليقات الكُـتَّاب. ومن أهمها في "يديعوت أحرونوت" مقال "أليكس فيشمان" بعنوان: "بين سيناء ودمشق والقاهرة يراوحون وينزفون" ومع مراعاة أن ليس كل ما يكتبه الآخرون قابلاً للنقل. وإعادة النشر. فإني أكتفي من هذا المقال بما جاء في بدايته. وهو قول كاتبه:
"الشرق الأوسط يواصل المراوحة في المكان. وبالأساس يواصل النزف.. فبعد أن خسر "تنظيم" داعش وأعلن انهيار الدولة الإسلامية في سوريا والعراق. أغرق رجالها في نهاية الأسبوع شمال سيناء بدماء أكثر من 300 مواطن مصري. منذ أسابيع طويلة ونحن نسمع أن الضربات التي تلقاها داعش في سيناء. والاتفاقات بين مصر وحماس أضعفت قوة التنظيم في شبه الجزيرة. وقلصت عدد مقاتليه إلي النصف. وتنسم المصريون خيراً من العمل الذي قاموا به في السنة الأخيرة مع القبائل البدوية في سيناء. والذي تضمن استثمارات في البني التحتية. وفي السياحة. وتوفير أماكن عمل للبدو في مصر ذاتها وفي مدن القناة".
ومضي الكاتب الإسرائيلي ليضيف: "لقد أعطت مصر الإحساس بأن إزالة تهديد داعش سيناء يبدو في الأفق. وتبين في نهاية الأسبوع أن هذا كان خطأ بصرياً. وأن المصريين لم يغيروا حقاً سُلم الأولويات القومية لديهم. ولم ينفذوا حقاً معالجة جذرية في إهمال بلدان المحيط النائية في سيناء. وبدون تجنيد حقيقي للسكان في سيناء. فإن الجيش المصري الثاني سيبقي يراوح في المكان. وينزف هناك لسنوات طويلة أخري. تماماً مثل الجيش السوري والجيش الروسي وحلفائهما.. الأتراك والإيرانيين.. سيحاولون المراوحة في سوريا. في محاولة لإطفاء حرائق العصيان المدني. حركات الجهاد والأكراد".
هل أقول إن هذا التعليق ليس أسوأ تعليقات الصحف الإسرائيلية في التشفي فيما حدث في بئر العبد؟!.. علي الأقل هو لم يقطع كما فعل "يوسي ميلمان" في معاريف الذي قطع بأن ما أسماه الصراع ضد داعش في سيناء "بعيد عن نهايته" مع أنه ذكر أن "ولاية سيناء" تضم فقط بين 800 و1500 ناشط من داعش.
ولعل هذا ما يدفع اليوم إلي تكرار القول: إن قراءة الصحف والكتابات الإسرائيلية بعامة تحتاج إلي تدقيق وفحص وإمعان. ولعل هذا ما دفع الأستاذ عبدالناصر سلامة إلي أن يتساءل في عموده اليومي: "سلامات" في "المصري اليوم". يوم الاثنين الماضي: "لماذا أتهم إسرائيل" في جريمة بئر العبد.. واسلمي يا مصر.
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف