الأهرام
محمد سلماوى
من الذى قَبِلَ توطين الفلسطينيين؟!
توقيت مريب ذلك الذى تم اختياره للإعلان عن أن مصر قبلت عام 1983 التنازل عن جزء من سيناء لإقامة دولة فلسطينية بديلا عن دولة فى الأراضى الفلسطينية التى تحتلها اسرائيل، فذلك الكشف بصرف النظر عن مدى صحته، يأتى فى الوقت الذى تشهد فيه سيناء تصاعدا غير مسبوق في العمليات الإرهابية المدعومة من الخارج، والذى أدى إلى استشهاد أكثر من 300 مواطن مصرى فى مسجد قرية الروضة، ويأتى أيضا فى الوقت الذى تستعد الولايات المتحدة لطرح مشروع جديد لتسوية القضية الفلسطينية لم يكشف رسميا حتى الآن عن تفاصيله، فهل المراد من ذلك هو إعادة طرح هذا الخيار غير المقبول، وإضفاء قدر من الشرعية عليه بالإعلان عن أن الرئيس المصرى وافق عليه قبل أكثر من 30 عاما، والايحاء غير المباشر بأنه قد يكون الحل الأمثل لإنهاء التهديدات الأمنية المستمرة فى سيناء؟

لقد خرج الرئيس الأسبق حسنى مبارك عن صمته الاختياري، وأصدر بيانا نفى فيه تلك المزاعم التى نشرتها هيئة الإذاعة البريطانية BBC، قائلا إن مصر لم تقبل أبدا بمثل هذا الحل، وأنه هو شخصيا لم يسمح حتى بمناقشته، وقد اعتمدت الإذاعة البريطانية على الوثائق السرية البريطانية التى لا يسمح بالكشف عنها وفق القانون البريطانى إلا بعد 30 عاما، والحقيقة أن الحكومة البريطانية لم تكشف عن هذه الوثيقة، لكنها رفعت عنها الحظر لذلك صار من الممكن طلب الإطلاع عليها، فمن الذى طلب الإطلاع عليها وقدمها للبى بى سى؟ أو أن البى بى سى هى التى طلبت الإطلاع؟ وفى هذه الحالة يجدر السؤال: من الذى نبهها لما فى الوثيقة؟

وبالرجوع الى الوثيقة كما نشرتها البى بى سى نجد أنها مذكرة لما دار فى اجتماع تم بين رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت ثاتشر والرئيس الأسبق حسنى مبارك خلال زيارته للندن فى طريق عودته من الولايات المتحدة فى فبراير 1983، وتقول الوثيقة فى نصها الأصلى باللغة الانجليزية إن مبارك قال إنه حين سئل قبل ذلك عن إمكانية قبول فلسطينيين من لبنان فى مصر قال للأمريكيين إن ذلك يجب أن يكون ضمن إطار تسوية شاملة، وبالرجوع لتاريخ الاجتماع نجد أنه جرى بعد العدوان الإسرائيلى على الفلسطينيين فى لبنان، والدمار الذى خلفه والذى أدى الى خروج الفلسطينيين من لبنان، وبذلك يتضح أن تعبير »قبول فلسطينيين فى مصر« كما ورد فى الوثيقة لا يعنى على الإطلاق إقامة دولة لهم فى سيناء بديلا عن دولتهم فى الأراضى المحتلة، وانما المعنى الأقرب للنص هو المعنى الإنسانى وليس السياسى، أى إيواءهم وليس توطينهم، ومع ذلك فقد رأى الرئيس المصرى ألا يكون ذلك إلا فى إطار تسوية شاملة.

على أنه بالرجوع الى النص العربى الذى نشرته الإذاعة البريطانية نجد النص يشير الى أن مبارك قبل »توطين« الفلسطينيين، رغم أن كلمة »توطين« هذه بمعنى repatriation لم ترد على الإطلاق فى المذكرة فى أصلها الإنجليزى، لذلك فقد كان نفى الرئيس مبارك أقرب الى الحقيقة من تفسير هيئة الإذاعة البريطانية للوثيقة التى قالت إنها حصلت على الحقوق الحصرية لنشرها، ولست أفهم كيف يمكن أن تحتكر وسيلة إعلامية وحدها وبشكل حصرى حقوق نشر وثيقة من الوثائق الرسمية للدولة؟! وعلى أية حال فإن ما نحن بصدده فى الحقيقة هو حديث شفهى من مبارك يروى فيه لثاتشر ما يقول إنه قاله للأمريكيين، لكن ليس هناك وثيقة رسمية صادرة من الحكومة المصرية تتضمن الموافقة على توطين الفلسطينيين فى مصر، أو إقامة دولة لهم فى سيناء، وأمامنا وعد بلفور الذى تمر هذه الأيام مائة عام على إصداره، وقد كان وثيقة رسمية صادرة عن وزير بريطانى مسئول، ولم يكن حديثا مرسلا جرى بين لورد بلفور والبارون روتشيلد.

يضاف الى ذلك نقطتان مهمتين: أولا، أن كلمة سيناء لم ترد على الإطلاق فى سياق ذلك الحديث، مما يعنى أن مفهوم الدولة الفلسطينية بالطريقة الذى أرادت الإذاعة البريطانية أن توحى به، لم يكن مطروحا، وانما المطروح كان قبول فلسطينيين ممن إضطروا لمغادرة لبنان بسبب العدوان الإسرائيلى، أما النقطة الثانية فهى أن الوثيقة تتحدث عن »فلسطينيين« وليس عن »الفلسطينيين«، أى عن بعض الفلسطينيين وليس كلهم، وهو مفهوم يتم تداوله بالنسبة للاجئين وليس للمواطنين، حيث يمكن لكل دولة أن تقبل بعض اللاجئين وفق امكاناتها، وتقبل دول أخرى البعض الآخر، كما يحدث الآن مع اللاجئين السوريين مثلا، أما الدولة فتصبح حقا لكل المواطنين وليس لبعضهم.

أما أن مصر قبلت بالفعل ذلك المخطط الذى طالما سعت إليه إسرائيل، وهو ضم الأراضى الفلسطينية المحتلة رسميا للدولة اليهودية، وإقامة دولة فلسطينية على أرض سيناء، فذلك حدث ولكن فى عام 2012 وقت حكم الإخوان لمصر وليس قبل ولا بعد ذلك التاريخ، فقد انتشر فى ذلك الوقت أن هناك اتفاقا لاقتطاع جزء من سيناء متاخم لقطاع غزة تقوم علية دولة فلسطينية منزوعة السلاح فى مقابل منح مصر مساحة مساوية فى صحراء النقب، وضم اسرائيل نهائيا للأراضى الفلسطينية المحتلة فى الضفة الغربية والقدس، وقد سارع الرئيس الفلسطينى محمود عباس، أبو مازن، بالحضور فى ذلك الوقت إلى القاهرة لمقابلة الرئيس محمد مرسى، وأخبرنى هو شخصيا - وهو حى يرزق- فى لقاء معه بعد المقابلة، أنه حاول جاهدا إثناء مرسى عن هذا المشروع المشبوه، مؤكدا له أن أحدا من الفلسطينيين لن يقبله، لكن رد مرسى كان صادما حيث أخبره أن الفلسطينيين فى غزة، أى حماس، قد قبلوه بالفعل.

لكن ها هو حكم الإخوان قد سقط وسقط معه المشروع الذى تم بترتيب من الأمريكان، ويريد البعض الآن إحياءه بلى الحقائق وتزوير الوقائع دون أن الإشارة من قريب أو بعيد، إلى أن الرئيس الذى رفض طويلا قبول عزل الشعب المصرى له هو الذى تعاون معهم فى سبيل تنفيذه، وأقنع به حماس التى كانت تعرف بالجناح المسلح للإخوان قبل أن يشهر الإخوان سلاحهم نهارا جهارا بعد سقوطهم فى 30 يونيو 2013، فعلى من تنطلى تلك الخدعة؟!

تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف