الأهرام
محمد سلماوى
مصرية فاروق حسنى.. ومحنة المعادى
يمتد عطاء الفنان لسنوات وسنوات بعد أن يترك مناصبه المهمة ومواقعه القيادية التي كثيرا ما يخلط البعض بينها وبين مكانته الفنية، ذلك أن البعض قد يتصور أن موقع الفنان هو الذي يعطي القيمة لفنه، أما الفنان فاروق حسني فهو التجسيد الحي لعدم صحة هذه المقولة، فقد كان فاروق حسني ملء السمع والبصر طوال 23 عاما قضاها وزيراً، بل تخطي كونه وزيرا للثقافة ليكون أحد أكثر الوزراء نفوذا عبر الوزارات المتتالية التي شارك فيها، ونجح فاروق حسني طوال تلك السنوات في التمسك بفنه، ولم يسمح لمسئولياته التنفيذية العديدة من أن تؤثر علي عمله كفنان، وتلك مسألة غاية في الصعوبة لمن يعرفون.

ورغم أن حياة فاروق حسني الفنية بدأت قبل توليه منصبه الوزاري، حيث كان فنانا معروفا منذ عقد السبعينيات، وأقيمت له معارض كثيرة في الداخل والخارج، إلا أن البعض كان يتصور (أو يروج) أن سمعته الفنية نابعة من كونه وزيرا للثقافة يملك النفع والضرر، لكن ها هو اليوم قد ترك موقعه الوزاري منذ سبع سنوات، ولم يعد نفوذه السياسي قادرا علي التأثير علي إقبال الناس علي معارضه الفنية، ومع ذلك فقد شهد افتتاح معرضه الحالي بقاعة «بيكاسو إيست» إقبالا هائلا من الجمهور رغم بُعد القاعة التي أقيم بها، وأقبل الكثيرون ممن يهوي اقتناء الأعمال الفنية علي لوحات المعرض بشكل لافت للنظر، وهو يستعد الآن لإقامة معرضين تاليين في دولتين عربيتين بالخليج هما الكويت والبحرين.

من هنا فإن الفنان فاروق حسني يفرض نفسه علي المشهد الفني بشكل واضح وهو خارج الوزارة كما كان وهو داخلها، وهو يقدم في معرضه الجديد أحدث انتاجه الذي نفذ معظمه خلال عام 2017، وقد أثبت من خلاله تمسكه بالتجريد كوسيلة مثلي للتعبير الفني، رغم لجوئه في معرضه السابق إلي بعض التشخيص الذي سرعان ما عاد عنه، وقد سألني أحد الكتاب الصحفيين أثناء تفقدنا المعرض معا عما أفهمه من إحدي اللوحات التي وقفت أمامها طويلا، فقلت له لا شيء هناك يُفهم، فاللوحة - مثل أي عمل فني آخر - تُحَس ولا تُفهم، لأن مادة الفنون جميعا هي المشاعر والأحاسيس ولا شيء غيرها، لكن للأسف مازالت تسيطر علينا الخلفية الأدبية فنتصور أن اللوحة الفنية عليها، مثل الرواية الأدبية، أن تروي لنا قصة، وهذا غير صحيح، ومدارس النقد الأدبي الحديثة تقول بأن القصة التي يرويها العمل الأدبي ليست مقصودة في ذاتها وإنما المقصود منها هو الأحاسيس التي تثيرها في نفس القاريء، وهناك بالطبع من الأعمال الأدبية ما تخلص من الاعتماد علي القصة، ونفس الشيء بالنسبة للوحة، فالفنان الذي يرسم لنا منظرا طبيعيا لا يقصد الشجرة أو النهر في حد ذاته، وإنما الأحاسيس التي يمكن أن تثيرها تلك الشجرة في نفس المتلقي بالطريقة التي رسمها الفنان، وقدرة الفنان التجريد تكمن في تمكنه من إثارة الأحاسيس التي يريدها في نفس المتلقي بالأشكال والألوان وحدها ودون أن يستعير من الطبيعة مشهد شجرة أو منظر نهر، أو قد يوحي بها دون تصويرها، فهل ذلك غريب علي المصريين؟ الحقيقة أنني كثيرا ما شاهدت في لوحات فاروق حسني بحر الإسكندرية أو سماء القاهرة أو الصحراء التي تفصل بينهما، وقد كتب الناقد الفرنسي ميشيل نوريدساني في جريدة «الفيجارو» إن لدي فاروق حسني ضوءا خاصا هو ضوء مصر، لذلك فهو يعتبر فاروق حسني مصريا بقدر ما آندي وارهول أمريكي. وربما كان هذا هو السبب وراء نجاح فاروق حسني في أن يقيم تلك الصلة الممتدة بينه وبين الجمهور، فقد نجح من خلال مصريته هذه في أن يضع التجريد علي الخريطة الفنية للجمهور المصري والعربي، كما لم يحدث من قبل، فرغم أن هناك من الفنانين المصريين من سبقوه الي التجريد في النصف الأول من القرن الماضي، مثل رمسيس يونان وفؤاد كامل ومنير كنعان، إلا أن أحدا منهم لم يلح علي الجمهور سنة وراء أخري حتي ارتقي بذوقه فلم يعد يستبعد اللوحة التجريدية باعتبارها «شخبطة لا تعبر عن شيء» وقد صرح فاروق حسني في إحدي مقابلاته الصحفية الأخيرة بحق بأن «الناس فهمت الشخبطة، وأصبح التجريد مدرسة فنية موجودة في مصر».

ومن الفن إلي الهم: إذا كان فاروق حسني قد نجح بإلحاحه علي ذوق الناس في أن يرتقي به كي يتقبل المدارس الفنية الحديثة، فهل هناك سبيل لأن ترتقي بأداء مسئولي الدولة فيصبحوا أكثر حرصا علي مصلحة البلاد ومصلحة العباد؟ لقد كان هناك قرار يحظر البناء في أحياء القاهرة المكتظة والتي لا تتحمل مرافقها مزيدا من المباني، لكن يبدو أننا كلما أصدرنا قرارا في الطريق السليم تراجعنا عنه في أقرب فرصة، فهذا القرار حمي حيا مثل المعادي من عدد من المقاولين المعروفين الذين ربحوا الملايين خلال السنوات الماضية من شراء الفيلات التي اشتهر بها الحي، ثم هدموها ويقيمون بدلا منها الأبراج السكنية، لكن القرار كان لسبب غير معروف موقوتا، أي أنه حظر البناء حتي تاريخ معين هو 31 يناير 2018، ولسبب غير معروف أيضا (وفي رأي البعض أنه معروف) لم يتم تجديد القرار أو مد العمل به بعد التاريخ المذكور، وكأن الدولة تقول لهؤلاء المقاولين: هيا ابنوا الأبراج كما تريدون فالحظر قد انتهي.

إنني أتوجه بحديثي هذا لمحافظ القاهرة المهندس عاطف عبد الحميد لأقول له إن الأسباب التي دعت لإصدار قرار وقف البناء مازالت قائمة، فالمرافق في المعادي علي حالها، إن لم تكن قد ساءت خلال الفترة الماضية، وهي لا تستوعب مزيدا من الوحدات السكنية التي تثقل علي البنية التحتية للحي، فلمصلحة من يتم رفع الحظر علي البناء؟ هل هو لمصلحة المقاولين؟ وماذا عن مصلحة السكان الذين يتدهور حيهم من عام الي عام لولا الجهود المضنية التي يبذلها رئيس الحي بالتعاون مع السكان لوقف تدهور حال الحي والارتقاء بخدماته. لقد فوجيء سكان المعادي بمن اشتري إحدي الفيلات في ديسمبر الماضي وقام بهدمها (لا يوجد حظر علي الهدم، وتلك مشكلة أخري) ثم بمجرد انتهاء أجل قرار حظر البناء بدأ عمل المجسات اللازمة استعدادا لبناء برج سكني جديد، فهل هذا معقول أو مقبول؟ تدخلك يا سيادة المحافظ.

تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف