الجمهورية
عبد العال الباقورى
تجربة في المرض والعلاج
الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضي.. وقد سقط التاج عن رأسي فجأة. أو قل سقط خطوة "خطوة" إلي أن وجدت نفسي طريح الفراش لما يزيد علي شهر. ولاتزال التبعات مستمرة والحمد لله علي ذلك. بينما قضيت أكثر من شهرين أتردد علي الأطباء والمستشفيات.
ليس من حقي أن أخوض في تفصيلات أيام وليالي العلاج والمرض. فليس أطول من ليالي المرضي سوي ليالي العشاق.. لن أخوض في ذلك من الناحية الشخصية. وسأحاول أن استخلص دروساً عامة من هذه التجربة. لعلها تفيد آخرين كي لا يقعوا فيما وقعت فيه. حين كنت أردد: لن أدخل حجرة العمليات سائراً علي قدمي. بمعني أني كنت قليل أو نادر الذهاب إلي الأطباء. ولم أشعر أن هناك داء يسري خلسة في جسدي وذلك بالرغم من معرفتي أن الإنسان بعد الأربعين يحتاج إلي "فحص شامل" سنوياً.. وهذا ما لم أرتكبه.
يقول مثل صيني: لا بكاء علي اللبن المسكوب.. وأقول: شاء الله وما شاء فعل والحمد لله أولاً وأخيراً. ومن بعده الشكر والامتنان لزملائي وأصدقائي وأسرتي. كانت زياراتهم ودعواتهم خير دواء. وأفضل تشجيع علي المقاومة والوقوف علي قدمي وبسرعة.. وهنا فان شعور الحب والمودة من جميع من حول المريض قادر علي أن يستنهض همته ويخلع عنه رداء المرض.
فشكراً للجميع فرداً فرداً.. ودعوانا لله تعالي: اللهم زدني حباً وحناناً ووفقني لزيارة كل مريض ومواساة كل من يصاب بنقص في الثمرات والأنفس.
بعد هذه الكلمات الخاصة ذات الطابع العام. أشعر أن في رقبتي واجباً تجاه المستشفي الذي عولجت فيه ولاأزال وتجاه مرض أصبح مزمناً. وهو الفشل الكلوي.. أما المستشفي فهو "المستشفي الجوية التخصصي" في التجمع الخامس. الذي لم أسمع عنه من قبل. ولكن اهتديت إليه مصادفة وأنا أبحث عن علاج لدي أي استشاري متخصص فيما أعانيه.. هداني الله- عبر التليفون- إلي هذا المستشفي وأن الطبيب المناسب سيكون فيه فيما بين الساعتين الخامسة والسابعة.. سابق ابني الريح كي نصل في الوقت المحدد.. ودخلنا علي الطبيب في الخامسة وعشر دقائق.. وأذكر هذا التوقيت تحديداً لأنه يشير إلي مدي الدقة في تحديد المواعيد. حتي بالنسبة لمن يدخل المستشفي أول مرة.. لكله بحساب دقيق ولك ان تتصور أن هذا يتم في "العيادات الخارجية" التي تشمل أقساماً لجميع الأمراض. مما قد لا يتوفر في أية مستشفي آخر. ومن العلاج والجراحة وغرفة العناية المركزة ونصف العناية. يقف المرء علي مدي ما يلقاه المرضي من عناية ورعاية. علي أيدي فريق من أكفأ وأمهر الأطباء المتخصصين وجهاز التمريض لا يقل كفاءة عن ذلك في خدمة المرضي. وتلبية "طلباتهم" طوال الليل والنهار.
أكتب عن مستشفي لا تربطني بالقائمين به أي علاقة سوي المرض والعلاج وفترة النقاهة ولم أعرف قبل ذلك أي معلومات عن هذا الصرح الطبي الذي أتمني ان يكون في كل حي من أحياء القاهرة وفي كل مدينة من مدننا صرح مماثل له.. ولعل هذه تكون بداية برنامج عمل لرفع مستوي الخدمة الصحية في جميع مستشفياتنا في المدن والقري وخاصة وأن هذه الخدمة أصبحت في مستوي لا يليق بنا حضارة وثقافة وتاريخاً ومن المعروف ان الرئيس عبدالفتاح السيسي قد طلب زيادة نصيب الإنفاق علي الصحة والتعليم في الميزانية الجديدة ولعل هذه الزيادة تكون الخطوة الأولي.. ومثلما لدينا حملة قومية شاملة للقضاء علي "فيروس سي" في 2020 أتمني ان تكون هناك حملة قومية لنهضة التعليم ورفع المستوي الصحي.. ولعل هذه تكون رسالة فترة الرئاسة الثانية خاصة وأن الأمراض المزمنة انتشرت في بلادنا بأكثر مما يجوز. وتعدت الأرقام العالمية. مثلا العدد الكبير للمرضي الذين يخضعون للفشل الكلوي في بلدنا هو 264 مريضاً لكل مليون نسمة. ولايزال المعدل في ارتفاع ولم أعثر علي رقم دقيق لـ"مرضي الكلي" ولكنه لا يقل غالباً عن 50 ألف مريض. ويزدادون سنوياً. ولا شك أن وزارة الصحة وجهات أخري مثل الجمعية المصرية لأمراض وزراعة الكلي لديها احصاءات دقيقة لأعداد هؤلاء المرضي. الذين تشتد حاجتهم إلي العلاج الذي ترتفع تكاليفه. ذكر لي زميل مريض ويحتاج إلي غسيل كلوي بمعدل 3 مرات في الأسبوع. أن تكلفة الجلسة الواحدة تتراوح بين 700 و900. أي أكثر من ألفي جنيه أسبوعياً وهناك مراكز تتوفر فيها الخدمة بأسعار أقل. ولعل ذلك يستدعي نشر هذه المراكز علي أوسع نطاق ممكن. بحيث يتم فعلاً علاج الفشل الكلوي - بدرجاته المختلفة- علي نفقة الدولة. علي أن يتم هذا بسرعة ودون واسطة بناء علي فحص شامل لجميع المواطنين واللهم أشف كل مريض عدواً أو حبيباً واسلمي يا مصر.
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف