الأهرام
محمد سلماوى
ولو اندمجت الأحزاب جميعا
كأن الناس اكتشفوا فجأة مع الانتخابات الرئاسية أن أحزابنا السياسية التي تخطي عددها المائة حزب لا قيمة لها ولا فاعلية، أو أن انتخابات حزب الوفد الأخيرة هي التي ذكرت الناس بهذا الحزب ذي التاريخ العريق صاحب الدور المؤثر في الحياة السياسية قبل الثورة وبعد عودته في حقبة السبعينيات، وذكرتهم بأن هناك أحزابا أخري في البلاد بلغ عددها 107 دخلت كلها وبمجرد قيامها في بيات شتوي استمر لفصول متتالية وليس هناك حتي الآن ما يشير إلي أنها استيقظت منه، فقد انتشر فجأة في الآونة الأخيرة الحديث عن الأحزاب ودورها المفقود، وتصور الكثيرون أن مجرد اندماج بعض هذه الأحزاب مع بعضها البعض سيجعلها تعود فجأة الي الحياة، وسيجعلها بقدرة قادر تستعيد دورها الفاعل علي الساحة السياسية.

ورغم أهمية الدور الذي تلعبه الأحزاب، وشرعية الحديث عن ضرورة العمل علي إحيائها، إلا أنه ينبغي الاعتراف بأن البلاد تمر حاليا بفترة خاصة في تاريخها عرفتها دول كثيرة قبلنا، وهي تشبه ما مرت به ألمانيا بعد سقوط حكم النازي حين شهدت البلاد إجماعا شعبيا غير مسبوق علي رفض كل ما كان يمثله الرايخ الثالث، وعدم استعداد الرأي العام وقتها الاستماع لأي رأي يعارض هذا الإجماع، لدرجة أن ألمانيا الواقعة في قلب أوروبا الديمقراطية سنت في ذلك الوقت من القوانين ما يحظر ويجرم اعتناق أي من الأفكار النازية أو الترويج لها، وذلك وضع يشبه كثيرا الإجماع الذي شهدناه في مصر بعد سقوط حكم الإخوان وعدم قبول الرأي العام لمن يدافع عنهم أو عن أفكارهم، ومثل هذه الفترات في تاريخ الشعوب ليست أفضل الأوقات لتعدد الآراء والقبول بأحزاب أو اتجاهات سياسية تري غير ما يجمع عليه الرأي العام أو تعلن معارضتها له.

يضاف إلي ذلك أن الحرب الضروس التي نخوضها ضد الإرهاب منذ أربع سنوات، مثل الحروب جميعا في أي دولة وفي أي عصر، تجعل من تعدد الآراء في أحسن الحالات ما يشبه الرفاهية في غير موضعها، وفي أسوأ الحالات تنظر لهذا التعدد بما يشبه نظرتها للخيانة الوطنية، وذلك أيضا لا يساعد كثيرا علي وجود حياة حزبية متعددة الاتجاهات يتمحور كل اتجاه منها في حزب سياسي له اتجاهاته الفكرية والسياسية التي تختلف قليلا أو كثيرا عن الاتجاهات السائدة أو تتعارض معها.

وإذا عدنا الي مرحلة ما قبل الثورتين يناير ويونيو نجد أن الأحزاب التي ولدت في ظل حكم السادات أو مبارك ولدت كلها ميتة، فهي لم تخرج الي النور إلا بإذن وبرضا السلطة الحاكمة، والاحزاب المعارضة لا تولد من رحم السلطة وانما من رحم الأرض ففيها تتجذر ومنها تنمو بين الناس، ولهذا لم يكن لتلك الأحزاب أية فاعلية إلا قليلا، والحركات التي أثرت بالفعل في المجتمع جاءت كلها من خارج الأحزاب، مثل حركة «كفاية» أو «6 أبريل» أو غيرهما، بصرف النظر عن تقييمنا لاتجاه أو أداء أي منها، وقد حدث نفس الشيء بعد الثورة حيث جاءت الأحزاب بدافع من استثمار نص الدستور علي حرية تكوين الأحزاب وجعل قيامها بالإخطار وليس بتصريح من السلطة الحاكمة، وربما كان دور حركة «تمرد» في ثورة 30 يونيو والذي فاق أيا من الأحزاب هو خير دليل علي ذلك.

كل هذا لا يعني أن ننصرف عن الأحزاب ونقبل بغياب دورها في الحياة السياسية، فالحياة السياسية الحقيقية لا تقوم إلا علي تعدد الآراء، ولا تنهض إلا بالتفاعل الذي يقوم فيما بينها وسط ساحة سياسية ناضجة يجد كل اتجاه سياسي فيها الحزب الذي يعبر عنه، ويقبل الرأي العام بالاختلافات التي يجب أن تقوم بين كل من هذه الأحزاب، فكيف يكون السبيل إلي هذا؟ البعض يري أن آفة الأحزاب الحالية هو تعددها، وأنه من غير الطبيعي أن يكون هناك 107 أحزاب في دولة واحدة، وهم يرون بالتالي أن الحل يكون بدمج هذه الأحزاب حتي يقل عددها وعندئذ تزداد قوتها، والحقيقة أن هذا الرأي لا يستند الي أي خبرة تاريخية سابقة، ففي حقبة السبعينيات حين تبنت دولة السادات هذا المنطق وحددت عدد الأحزاب بثلاثة لا رابع لها، لم تكن فاعلية أي منها تزيد على فاعلية الأحزاب الحالية، ولو اندمجت كل الأحزاب في حزبين فقط كما هو الحال في الديمقراطية الأنجلوساكسونية في انجلترا وأمريكا، ولو صارت خمسة أو سبعة أحزاب كما في الديمقراطيات اللاتينية في فرنسا أو إيطاليا، ما كان لأي منها فاعلية ما لم ينصلح حال الأحزاب ذاتها، فالعيب ليس في العدد، وانما في بناء الحزب ذاته، فكم من الأحزاب الحالية يقوم علي فكر أو اتجاه سياسي واضح ومحدد؟ وكم منها يعتمد في أدائه الداخلي علي الأسلوب الديمقراطي في اختيار قياداته وتصعيد كفاءاته وتفريخ كوادره الجديدة؟ وكم منها يعتمد علي استراتيجية فاعلة في التواصل مع الجماهير الذين هم القاعدة الحقيقية لقوة أي حزب في العالم؟ إن الجماهير المصرية بعيدة تماما عن كافة الأحزاب القائمة، وهي لا تعرف حتي أسماءها أو عددها، فمع من تعمل إذن هذه الأحزاب؟ ومع من تتواصل؟ وإذا كانت منقطعة بهذا الشكل عن الجماهير فكيف نسميها أحزابا أصلا، صحيح أن الدستور أطلق حرية إقامة الأحزاب كما هو الحال في العالم، لكن هذا لا يعني أن تقوم أي مجموعة من الناس باستيفاء الشروط المطلوبة وتسمي نفسها حزبا، فالحزب لا يقوم إلا بالعمل وسط الجماهير، وبالتعبير عن الجماهير، وتبني قضاياها، وتقديم الحلول لمشاكلها وفق الاتجاه السياسي للحزب والذي قد يختلف قليلا أو كثيرا عن الاتجاه السائد، وهذا ما لا يمكن وضعه في الدستور.

لا يا سادة الحل ليس في الدمج وانما في العودة للكتاب وبناء الحزب وفق القواعد التي تقام عليها الأحزاب في العالم، حتي نستطيع أن نسمي أيا من أحزابنا الـ107 حزبا.

تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف