بوابة الشروق
جمال قطب
افتتاح مكتبة؟!!
إذا كانت صناعة النشر صناعة استراتيجية فى بعض الحضارات، فإن «النشر» عند المسلمين صناعة «استراتيجية شرعية»، فالنشر هو جسر التعارف والتواصل سواء فيما بين المواطنين بعضهم البعض، أو بين الشعوب والحضارات، وكما يعلم الجميع فإن التواصل الداخلى والخارجى ــ أيا كان موضوعه ــ هو من أبرز المقاصد التى خلقنا الله لها حيث يقول سبحانه ((.. وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..))، فتواصل البشرية وتعارف كل أحد على الآخرين كيف يفكرون؟ وبما يهتمون؟ ونظرتهم للآخرين، وقدرتهم على التواصل معهم... إلخ.

ــ1ــ

فالنشر بصفة عامة هو أسلم وأسرع الوسائل فى تحقيق التواصل الآمن والبعيد عن العنف، وهو المرآة التى تكشف عن مكنون نفسك بطرق وأساليب كثيرة تجعل الآخر واثقا من معرفته بك. وإذا لم تتبين ما أعرض عليك، فاسأل نفسك عن معنى افتتاح تنزيل القرآن الكريم بلفظ «اقرأ».. فهذا إعلان وتوجيه لطبيعة هذا الدين، وطبيعة العلاقات التى ينظمها سواء فيما بين الله وبين انبيائه، أو بين الله وبين عباده، أو بين العباد جميعهم بعضهم ببعض، فالإعلان «الأول» والتكليف الأول جاء على عكس ما يتوهم المتربصون، «اقرأ» ليس أمرا بالإذعان، ولا أمرا بالهجوم والاقتحام، بل هو دعوة لإيقاظ الوعى وتحريك أدوات المعرفة.

ــ2ــ

كانت وسائل التواصل قديما تستلزم الانتقال والترحال، فالبشرية كلها لحقب وقرون كثيرة لم تكن تملك غير المشافهة أو المقابلة أو المواجهة أو المباغتة، الأمر الذى جعل التعبير عن النفس حربا وعدوانا، وأصبح العدوان هو الأصل والتعبير عن الإرادة فرع وتابع غير محبوب، فانقطع الحوار واعتمد السيف والمدفع من بعد ذلك وسيلة للتواصل، ولا شك أن العدوان والقهر وسيلة غير مقبولة، فعاشت البشرية حقبا متتابعة تفتفد إنسانيتها وقدراتها على البيان والحوار.

ــ3ــ

وقد يتصور البعض أن «النشر» ليس وسيلة عامة، بل لابد من التطبيق عليه وحصاره، ووضعه تحت رقابة صارمة بدافع دينى أو سياسى، أو أمنى. وعن نفسى لا أتخيل هذه الشبهات فالنشر هو مجرد كلمات أو رسوم وصور أو توظيف لسائر الفنون المعروفة، ومهما كان فهل يتصور عاقل أن تواجه الكلمات بالمدافع؟! وإذا تصور البعض ذلك، فإن المتمسكين بالقرآن كتابا ومعتقدا لا يقبلون هذا تحت أى ادعاء !!!!!!!

ــ4ــ

نعم فالقرآن الكريم يحظر محاصرة الرأى والفكر. وقرر الحوار وسيلة وحيدة لمواجهة الرأى والفكر، فالمسلم لا ينسى ذلك الحوار الذى حدث بين الله جل جلاله وبين الملائكة أولا، ثم بين الله وبين إبليس، فحينما أعلن الله إرادته وهو الخالق والرازق والمدبر، أعلن إرادته عن خلق آدم واتخاذه خليفة لإعمار الأرض، جاء صوت الملائكة ((وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة ۖ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ۖ قال إنى أعلم ما لا تعلمون)) .. هكذا جاء الرد ولاحظ الجميع على الرد الإلهى إنه لم يشجب رأى الملائكة، ولم يحذرهم، ولم يخوفهم، بل ذكرهم بأنه جل شأنه ((أعلم ما لا تعلمون))، وليس هذا فحسب بل تنزلت الكتب السماوية منذ صحف إبراهيم وحتى ختمت بالقرآن الكريم، وكل كتاب فيها يحكى نص الحوار، تعليما للبشرية ألا يُحجب رأى، وأنه لا حق لأحد فى أن يحاصر رأيا أو علما، ولا يواجهه إلا بالقول والبيان.

يتبع،،،
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف