الأهرام
محمد سلماوى
بديهيات منتصر ودعوة الشوباشى
كتابان قرأتهما معا واستمتعت بهما على حد سواء، وهما «هل هذه حقا بديهيات دينية؟» للدكتور خالد منتصر والصادر عن منشورات بتانة، و«نداء عاجل الى نساء مصر» للكاتب شريف الشوباشى والصادر عن دار العين، فمن عادتى أن أفتح أكثر من كتاب فى نفس الوقت، وهو ما يساعدنى على الاستمتاع بالقراءة بشكل أكبر ولمدة أطول، فكلما شعرت أننى استكفيت من موضوع معين انتقلت الى الكتاب الثانى الذى عادة ما يكون فى موضوع آخر، إلا أن كتابى منتصر والشوباشى يكادان يكونان فى موضوع واحد بحيث يكملان بعضهما البعض، وأنا أنصح القارئ أن يقرأهما معا، أو ان كان لا يستسيغ تلك العادة، أن يقرأهما الواحد تلو الآخر.

يعالج كتاب شريف الشوباشى موضوع الحجاب الذى انتشر فى مجتمعنا بشكل غير مسبوق خلال العقود الأربعة الأخيرة، وإذا كان اسم الكتاب هو «نداء عاجل الى نساء مصر» فالنداء هو بأن يخلعوا ذلك الحجاب الذى فرض عليهن فرضا، ورغم أن الكاتب يؤكد منذ البداية أنه يوجه نداءه هذا لمن أرغمهن الزوج أو الأب على ارتداء الحجاب وليس لمن ارتدت الحجاب من تلقاء نفسها، إلا أن واقع الأمر هو أن من فرض الحجاب حقيقة هو هذا التيار القاهر الذى تسلل الى حياتنا حتى أطبق على أنفاسنا جميعا فارضا رؤيته الضيقة والمتعصبة على ديننا السمح، فمثلما أن الأب أو الزوج أو الأخ الأكبر الذى يفرض على نساء بيته ارتداء الحجاب هو نتاج مباشر لهذا الاتجاه السلفى المتخلف الذى يسيطر على المجتمع، فإن المرأة التى ترتدى الحجاب من تلقاء نفسها هى أيضا نتاج لهذا الاتجاه الغالب الذى وصل الى حد نعت كل من لا ترتدى الحجاب بأنها متبرجة فى أحسن الأحوال أو عاهرة فى أسوئها، ولو كانت نفس المرأة التى ترتدى الحجاب من تلقاء نفسها فى عصرنا قد وجدت فى عصر آخر فأغلب الظن أنها لم تكن سترتديه، وبهذا المعنى يمكن أن نقول إن معظم من يرتدين الحجاب انما يرتدينه بضغط مباشر أو غير مباشر من المجتمع. على أن كتاب الشوباشى ليس دعوة لخلع الحجاب، فقد أطلق المؤلف تلك الدعوة قبل نحو ثلاث سنوات، وإنما الكتاب هو رصد لرد فعل المجتمع لهذه الدعوة، ومن ثم فهو دراسة دقيقة وممتعة فى نفس الوقت لحال المجتمع، وكيف يتفاعل مع ما هو جديد أو غير معتاد، لذلك فأهميته تتخطى قضية الحجاب بما له وما عليه ليصبح الكتاب دراسة سوسيولوجية وسيكولوجية للمجتمع فى مرحلته الراهنة، وفى ذلك فهو يقول:

بقدر ما أن الغاية من الحجاب هى أن يستر وأن يخفى عن أعين الناظرين، بقدر ما كان لدعوتى إلى خلعه من فوق رؤوس نساء مصر فضل الكشف عن حقائق مكبوتة ومشاعر دفينة وواقع خفي، وكأننى نزعت الحجاب المعنوى والنفسى عن مجتمع بأكمله فى لحظة تاريخية معينة فقمت بتعرية عوراته أمام الجميع، وقد أدت الدعوة الى فضح الكثير من أمراض المجتمع المصرى حتى انتابنى شعور بأن هذه الدعوة قد نزعت غطاء البلاعة الذى يخفى ما تحتها، لعل الكل يتحلى بالشجاعة الكافية لمواجهة النفس.

أما كتاب الدكتور خالد منتصر فهو يتعرض لما نجح شيوخ الوهابية على مدى السنوات الماضية، فى اقناعنا بأنه من بديهيات الدين التى لا يصح مناقشتها وإلا بدونا كأننا نناقش ثوابت الدين الإسلامي، على أن خالد منتصر لا يناقشها فقط وانما يثبت أيضا خطأها من واقع الدين نفسه، أى أنه يستخدم حجج الإسلام ذاته فى تخليصه من إدعاءات شيوخ الجهل والتطرف، فيكون هو المدافع عن الدين، بينما هؤلاء هم الذين يسيئون له بجهلهم وتعصبهم.

ويأتى الكثير من تلك البديهيات متعلقا بالنساء اللاتى خصص الشوباشى كتابه لإنصافهن من القهر الذى يتعرضون له، ويوضح كتاب الدكتور منتصر أن قهر المرأة لا يكون فقط بتحجيبها وإنما بطرق أخرى كثيرة تعتمد على مقولات لا يجوز مناقشتها، مثل مقولة أن النساء ناقصات عقل ودين، أو أن أهل النار أكثرهن من النساء، أو أن الله أمر الأزواج بضرب زوجاتهن، أو أن تعدد الزوجات حق شرعي، أو أن الزوج من حقه الاستمتاع بزوجته جنسيا كلما أراد وتحت أى ظرف من الظروف، حتى لو أدى ذلك إلى اغتصابها بالقوة، وإذا امتنعت تكون من أهل النار، بل يورد المؤلف فى كتابه قول بعض الشيوخ بأن الزوج حسب تفسيرهم لما ورد فى القرآن، من حقه أن يقيد زوجته فى الفراش كما يتم تقييد الإبل كى يضاجعها، تماما كما فى حالات الانحرافات الجنسية المعروفة باسم السادوماسوخية (!!!)

ويتوقف الدكتور خالد منتصر فى كتابه القيم عند أم البديهيات جميعا والتى حصنت الشيوخ الذين يلقبون أنفسهم خطأ بالعلماء، من المساءلة أو المناقشة، وهى مقولة أن لحوم العلماء مسمومة، والتى يصفها بأنها أغرب وأعجب عبارة سمعتها وقرأتها فى حياتي، عبارة قمع تستخدم لإخراس وإفزاع وإرعاب وترهيب كل من يجرؤ على انتقاء الفقهاء والشيوخ، أو حتى يوجه لهم كلمة عتاب رقيقة، أو توجيها هادئا، أو تصحيحا موثقا، كل هذا مرفوض، فهم من ذوى الدم الأزرق، محصنون ضد النقد واللمس وممنوع الاقتراب والتصوير مثل الثكنات العسكرية، ترمى هذه الجملة فزاعة فى وجوهنا حتى لا نفكر فى أن نراجعهم، وما يقولونه نأخذه ونبلعه ونحن صامتون راضون...

من هنا فإن قيمة كل من الكتابين تنبع من أن ما بين رفض منتصر التسليم بالبديهيات الدخيلة على الإسلام ودعوة الشوباشى لنساء مصر بخلع الحجاب الدخيل هو الآخر، يكون الطريق السليم لإصلاح الخطاب الديني، وهو الإصلاح الذى نتشدق به جميعا لكن أحدا لم يقبل عليه.

تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف