لويس جرجس
صور من بلدي وداع عبد الناصر بين خالد والسادات
"منذ اللحظة الاولى أحسست أنه شخصية قيادية، حتى ونحن شباب صغار كان يفرض على الجميع وضعه القيادي، وكان رجلًا بعيد النظر، لا يخطو خطوة إلا بعد حساب دقيق، ليس فقط لتداعياتها، وإنما أيضا لمستقبل هذه التداعيات...سأورد واقعة واحدة كنموذج..اغتيل الضابط عبد القادر طه (من الضباط الأحرار تعرض للاغتيال في ابريل 1952)، وأحسسنا جميعًا أن رجال الملك هم الذين فعلوها، لكنه هو وحده الذي استشعر الخطر المستقبلي، فاذا كانوا قد فعلوها مع عبد القادر طه فلماذا لا يفعلونها مع أي منا؟ وبادر جمال على الفور بالمرور على كل أعضاء "لجنة القيادة" في بيوتهم ليحذرهم من احتمالات الخطر، وليرسم مع كل منا وسائل تأمين تحركاته، ولحماية منزله. إنه الاحساس بالمسئولية إزاء الآخرين، وإزاء العمل المشترك، الذي يجعلك تتقبل في أعماقك أن يكون صاحبه قائدًا.
في البداية كان عبد الناصر يرفض فكرة الاشتراكية، وفي جلسات نقاش طويلة كان يتمسك بفكرة أن الصراع الطبقي هو مجرد قول يستهدف التغطية على صراع آخر حقيقي هو الصراع على السلطة، لكن معركة ناصر ضد اصرارنا على الديمقراطية قادته في اتجاه آخر، نحو استرضاء العمال والفلاحين، فمضى في اتجاه الاشتراكية خطوة خطوة.
وكان عبد الناصر قارئًا ممتازًا...حتى بعد أن أصبح حاكمًا متعدد المسئوليات كان يولي مسألة المعرفة اهتمامًا خاصًا. وكان هناك جهاز خاص مهمته أن يلخص له الكتب الهامة، وأن يترجم له العديد من الكتب والمجلات والصحف. وحتى وأنا استعد للسفر إلى المنفى، وفيما العلاقة مشحونة بالتوتر برغم محاولات الهدوء التي أبداها كل منا، طلب مني ان ارسل له كل ما أعتقد أنه مفيد من كتب ومجلات.
ولعل شغفه بالمعرفة هو الذي جعله يهتم بمسألة المعلومات، وكان عبد الناصر لا يتخذ أي قرار إلا بناء على معلومات...وكان اهتمامه بالمعلومات ليس فقط من أجل تحقيق امكانية اتخاذ القرار الصحيح، ولكن من أجل التعرف على كل من يتعامل معهم تعرفًا وثيقًا ودقيقًا. فعندما كنت أذهب لمقابلته بعد عودتي من المنفى، كنت أشعر أنه يعرف الكثير عن آرائي ومواقفي واتصالاتي. كان مستمعًا جيدًا ينصت باهتمام لما تقول بلا مقاطعة، ومن حصيلة استماعه لأكثر من رأي، واطلاعه على المعلومات كان يتخذ القرار منفردًا.
تعاملت معه منذ البداية بوضوح وصراحة وإخلاص، وكان يقدر ذلك دومًا، وعندما بدأت خلافاتنا في مجلس قيادة الثورة، طلبت أكثر من مرة أن استقيل لكنه قاوم ذلك بشدة، ودافع عني أكثر من مرة، وكان دائم الالحاح على أعضاء المجلس ان يفرقوا بين موقفي وموقف محمد نجيب...كنت دومًا أقول له: يا جمال أنا مختلف معكم، أنا عايز انتخابات وديمقراطية وانتم مش عايزين، وأنا شايف انكم متجهين نحو علاقة مع امريكا وأنا ارفض ذلك، فالافضل ان انسحب بدلا من تفاقم المشاكل. وكان دومًا يرد: يا خالد انت صاحب حق..ابقى معنا، ودافع عن وجهة نظرك، ثم يقول: فيه زملاء في المجلس يرغبون في ان تخرج فلا تعطيهم هذه الفرصة. ولكن عندما حدثت أزمة مارس وعدت من الاسكندرية وقمت بزيارته في بيته، وبدأ التعاتب، ذكٌرته بانه هو الذي ألح عليٌ في أن أبقى وأن ادافع عن وجهة نظري، فقال: بس مش للدرجة دي.
وكان عبد الناصر حريصًا على الا يتسبب في أيه جراح بين أعضاء مجلس قيادة الثورة حتى بعد ابعادهم، أو مهما اشتد الخلاف معهم. وأذكر وهو يسلم عليٌ عقب مقابلتي الأخيرة له قبل سفري للمنفى أن قال: يا خالد، احنا اصدقاء، وما حدث يجب ألا ينعكس على الصداقة، ولهذا أرجوك الا تهاجمنا وأنت بالخارج. فقلت: بشرط الا تهاجموني. فقال: اتفقنا".
هذا ما كتبه الراحل خالد محي الدين عن جمال عبد الناصر في مذكراته التي نشرت عام 1992 بعنوان "والآن أتكلم"، أي بعد مرور اثنتين وعشرين سنة على وفاة عبد الناصر، ومعروف ــ وهو الواضح من الفقرات السابقة ـ أن الرجلين اختلفا كثيرًا في السياسة، ولكن هذا الاختلاف لم يمنع السياسي النبيل خالد محيي الدين من قول شهادة حق، مشيدًا بجوانب كثيرة في شخصية عبد الناصر.
في المقابل، نرى الرئيس الأسبق أنور السادات ـ الذي لم يختلف مع عبدالناصر طوال حياته، ولم يعترض على قرار من قراراته طوال فترة رئاسته ـ يبدأ حكمه بمديح عبد الناصر حيث قال في تأبينه بعد عام من وفاته:" عبدالناصر أحب الشعب والشعب أحب ناصر كما لم يحب زعيم من قبل. 5 مليون خرجوا يوم جنازته يودعوه لمقره الأخير ويقولوا له هنكمل المشور يا جمال. وفى لشعبه فوفى الشعب له، آمن بشعبه فاحبه الشعب، بذل كل شيء إلى آخر قطرة من حياته فاصبح رمزًا وأصبح مباديء وأصبح طريقًا لكل الشعب".
بعد وقت قصير، نجد السياسة وأحكامها تقلب المواقف ويبدأ السادات في انتقاد ناصر، حيث ينقل محمد ابراهيم كامل وزير الخارجية الأسبق عن السادات قوله له في استراحة أسوان يوم 2 يناير 1978: "عبدالناصر لم يكن يستطيع العيش دون توتر، ولم يكن يهتم بمباهج الحياة، ولا يقدر ما وهبنا الله من نعم، وكان دائم الشك في الأشخاص حتى يثبت له العكس". الفقرة منقولة من مذكرات محمد كامل إبراهيم التي صدرت بعنوان "السلام الضائع".
قبل ذلك وبداية من 1974 دشن الكاتب توفيق الحكيم حملة الهجوم على عبد الناصر ـ دون اعتراض من السادات ـ بنشر كتابه "عودة الوعي"، تلاه الصحفي الاستاذ جلال الدين الحمامصي بكتاب "القربة المقطوعة"، وتواصلت الحملة في الصحف اليومية، وطالت كل ما تم في سنوات حكم ناصر، حتى طالت السد العالي أيضًا، وكتب أحدهم عن وجود علاقة بين السد وتلوث مياه القاهرة!، وكتب آخر أن النهر العظيم "شاخ" وفقد سحره القديم بعد بناء السد!، وهي الحملة التي جعلت صحفيًا بارزًا هو فيليب جلاب ينشر كتابًا في 1974 بعنوان "هل نهدم السد العالي؟". كل هذا والسادات يحكم ولا يدافع!.
لقطة:
جميل أن يعود النشاط الرياضي، وأن تعود البطولات العالمية على أرض مصر ـ بالاجراءات الاحترازية ـ بعد توقف اجباري لعدة شهور، ولكن ما رأيته أثناء متابعة بطولة أبطال العالم في الاسكواش من مدينة اكتوبر، لم يكن جميلًا، حيث يجلس الجمهور في المدرجات "عادي خالص" دون اجراءات التباعد المتعارف عليها منذ بداية الجائحة التي داهمت العالم. الخطر مازال قائمًا والحرص على الوقاية أمر واجب.