صدى البلد
نرمين الشال
حنين ومودة.. واستهداف الصغار
لست ممن يؤمنون بنظرية المؤامرة، ولا ممن يعتقدون في الصدفة ويشهقون تعجبا إذا تتابعت الأحدث وتوافقت التصريحات ، مؤخرا تابعنا قضية حنين حسام ومودة الأدهم، والحكم الصادر بحقهما بعد إدانتهما في قضية " الاتجار بالبشر" لم تمر ساعات بعد صدور الحكم حتى تصدر اسم حنين حسام جميع مواقع الأخبار، الفتاة لم تكذب خبر فظهرت تبكي وتتوسل في فيديو " بدون حجاب " وعلى غير ما اعتادت الظهور به لمتابعيها على تيك توك، وتحليلي يقول أن الصورة اختيرت بعناية ليتم تصديرها للخارج ويتداولها النشطاء والمعارضين والإعلاميين فتحقق أكبر قدر من التفاعل، وتعالت الأصوات تطالب بحكم أكثر رأفة بفتيات غرر بهن، وكأن تضليلا أو قصورا في الرؤى أصاب هيئة المحكمة فأصدرت حكما جائرا بحقهن.


من أغرب ما قرأت كان تعقيبا لناشطة حقوقية قالت إن الحكم على حنين ومودة يثير القلق من تدخل الدولة في الاختيارات الشخصية والأخلاقية للأفراد واستخدام مواد قانونية مطاطة أو التعامل مع بعض القضايا من خلال منظور ضيق، متناسية أن القضية تم تداولها في ساحات المحاكم منذ أكثر من عام.

يا سيدتي صاحب المنظور الضيق هو أنت وكل الذين تبنوا حملة إعلامية تستنكر تهمة " الاتجار بالبشر " مستغلين اللبس بين ما يندرج تحت اللفظ من معاني لغوية وتشريعات قانونية، وبين بساطة تفسير عامة الناس له، ودون الإشارة أو البحث عن حجم الأموال التي تلقتها الفتاتين ولا حجم الإفساد الذي تركوه في عقول الصغار.

ودعوني أنقل إليكم هذا الحوار الذي دار بيني وبين طفلة عمرها تسع سنوات وهي ابنة صديقة لي قمت بزيارتها في عيد الفطر الماضي وبادرت بمنحها العيدية فأخذت الأموال بفرح الأطفال المعهود، وبعد دقائق جاءت تسألني .

أنت معاكي فلوس كتير؟

أجبتها : يعني مش كتير أوي.

فقالت : طيب اعملي تيك توك هيبقى معاكي فلوس كتير

سألتها : مين قالك كده .

قالت : أولاد عمي واحد منهم نشر فيديو على تيك توك لأنه بيدي فلوس

سألتها: وأخدوا فلوس فعلا ؟

قالت : لا لسه بس ابن عمي "..... " دمه خفيف وناس كتير هتشوفه، ثم تدخل شقيقها وعمره 12 عام في الحوار وأخبرني بأسماء تطبيقات أخرى تمنح المستخدمين ملابس وبدأ بشرح كيفية استخدامها.



ذُهلت من حديث الطفلة وأخيها فهكذا ببساطة يتم إغراء الأطفال وسرقة عقولهم، كيف اقتنعت الطفلة ذات ال9 أعوام أن خفة الدم والشقلبة أمام كاميرا الهاتف تجلب الأموال والملابس !! وهل للطفولة أحلام أخرى ؟

هكذا ينسلخ هذا الجيل منا دون وعي ينشؤون بلا هوية، ولا هدف لهم سوى اللهو والكسب السهل للأموال، دون انتماء لأخلاق أو التقيد بقيم فأين نحن من رعاية حقوق هؤلاء ألا يستحقون الرأفة هم أيضا خاصة مع غياب الوعي المجتمعي بما تشكله هذه التطبيقات من خطرا، فضلا عن صعوبة حجبها أو حظرها .

لقد تعلمنا أن ما يتداوله الناس اليوم من أحاديث يتحول لأفكار تسيطر على تفكيرهم ويسعون لتنفيذها فتنعكس على تصرفاتهم وأفعالهم، ويظل الناس هكذا حتى تصبح تلك الأفعال قيمة تترسخ في شخصياتهم فتُصبغ بها المجتمعات شيئا فشيئا حتى تطمس هويتنا وتختفي قيمنا.
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف