الوطن
رامى جلال عامر
مَن قتل «مارينا صلاح سركيس»؟
مَن قتل «مارينا صلاح سركيس»؟

«مارينا صلاح سركيس»، مواطنة مصرية، ماتت فى السابعة والعشرين من عمرها بسبب الإهمال وحب البزنس و«الفهلوة الطبية» لواحد من أكبر مستشفيات العيون فى مصر. دخلت «مارينا» المستشفى لإجراء أشعة بالصبغة وماتت من جراء الحساسية ضدها.

بيان المستشفى جاء جيداً من حيث الشكل، ولم يحتوِ على كذب مباشر، لكنه تضمن تدليساً واضحاً فى عدة نقاط. يقول البيان: إنه تم سؤال الضحية عن مدى معاناتها من حساسية لمادة الصبغة فيما أجابت هى بالنفى، وهذا غير صحيح لأن المريض فى هذه الحالات يقول ببساطة «لا أعرف»، وهذا ليس نفياً بكل تأكيد، بل هو إلقاء بالمسئولية فى ملعب المستشفى ذاته، الذى عليه أن يعرف.

فضلاً عن أن البيان يدّعى أن الحالة كانت قد تحسنت ثم تدهورت فى مستشفى الكهرباء، وهذا منافٍ للواقع، وبالعودة لتقرير مستشفى الكهرباء سنعرف أن الراحلة كانت تعانى عند دخولها من: توقف عضلة القلب، وصدمة بالدورة الدموية، وغيبوبة تامة، وحموضة بالدم، واسترواح هوائى، وفشل كبدى حاد. فحين تظل لفترة من الزمن على أجهزة إنعاش حتى الوفاة فإن ذلك لا يُعد تحسناً من أى نوع!!

النقطة الأخطر فى البيان أنه يقول (أنقل نصاً بالأخطاء اللغوية): (من المعلوم بأن الحساسية المفرطة لمادة الفلوريسين تحدث حسب الإحصائيات العالمية بنسبة 1: 250، 000 حالة وقد تؤدى إلى الوفاة.. يتم إجراء يومياً بالمستشفى الوطنى للعيون أكثر من 40 حالة فحص بأشعة الفلوريسين للشبكية على مدار أكثر من عشرين عاماً).

مبدئياً النسبة المذكورة فى البيان لا تدعمها كل المراجع العلمية أصلاً، ولكن عموماً، وتبعاً للبيان، فإن مجموع عدد الحالات التى حُقنت بهذه الصبغة حوالى 300 ألف حالة على مدار 20 عاماً، ألم يخطر فى بالهم، بالمنطق الإحصائى، أنه يمكن أن تحدث مصيبة ما، إذن أين الإجراءات الاحترازية وغرف الرعاية التى يجب أن تتوافر!!

لقد خالف المستشفى إجراءات ترخيصه حباً فى «البزنس»، وبالتالى صدر القرار الجرىء بإغلاقه، وهو فى الوقت نفسه قرار حزين، لأنه فى النهاية مستشفى كبير يقدم خدمات مهمة، ولكنه لن يفتح أبوابه مرة أخرى إلى حين توفيق أوضاعه وتوفير غرف رعاية مركزة وأطباء متخصصين فى إنقاذ المرضى.

موت مارينا صلاح هو أمر كارثى، لكن المأساة الأكبر هى فى الأثر الممتد لذلك، ليس فقط فيما يتمثل فى حزن ذويها ومحبيها، ولكن ما سيبقى من القصة فى الواقع هو طفل صغير، يُقاس عمره الآن بالشهور (آدم) الذى له من اسمه نصيب، حيث سيتعين عليه أن يُكمل حياته التى بدأت للتو، دون أم، بكل ما يعنيه ذلك من معاناة.

هناك ظاهرة تعيسة كشفتها الأحداث تتمثل فى دفاع قطاع من الأطباء عن زملائهم، حتى وهم مخطئون ومهملون، وهى مشكلة ثقافية عامة، لكنها محزنة حين تأتى من فصيل من المفترض أنه الأعلى تعليماً، لكن التعليم والثقافة أمران مختلفان، ولهذا موضوع آخر.
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف