الصباح
د. رفعت سيد أحمد
«القرضاوى» الشيخ الذى فقد ظله... وفقهه!
لا أريد أن أتحدث اليوم بما لدى من أفكار ورؤى بشأن قيام الداعشيين الجدد فى بلادنا بتكفير خلق الله، والذى امتد إلى التاريخ ذاته ليكفرونه، إن التكفيريين الجدد هؤلاء يستخدمون الدين لخدمة الأجندة الأمريكية القائمة على خلق الفتنة بين المسلمين إجمالًا والسنة والشيعة بخاصة، وهذه الفتاوى التكفيرية تقدمها وتمولها بعض الأنظمة الخليجية كل حين، وهى مقصود بها بالأساس التخديم على استراتيجية واشنطن وتل أبيب فى تفكيك المنطقة وخلق الفوضى بها. وإلا دعونا نسأل تلك الدول الخليجية التى تبكى على إرهابيى سوريا وإرهابيى مصر وتنعتهم بأنصار الحرية وبالثوار.. ماذا عن الحرية فى أوطانهم؟ وماذا عن فتاويها بشأن صفقات السلاح مع أمريكا وكذلك الوجود الاحتلالى والقواعد العسكرية الأمريكية فى معظم دول الخليج؟، لماذا تصمتون بشأنه وتتحدثون عن الحرية والاستقلال والثورة فى مصر وسوريا وليبيا ؟!
* اليوم لن أتحدث بما لدى من أفكار ترفض هذا المنهج غير الإسلامى، وسأترك الساحة لأحد أبرز شيوخهم الذى صار بعد ثورات ما سمى بالربيع العربى، أكبر مكفراتى وأكبر مفتى بسفك الدماء ومنها دم الشعب الليبى والسورى وأخيرًا المصرى (جيشًا وشعبًا وشرطة).. لأنهم لم يخدموا المشروع الإخوانى الأمريكى الذى يعمل فيه هذا الشيخ الذى بلغ من العمر أرذله. عمل فيه مجرد خادم للسلطان سواء السلطان القطرى أو السلطان الأمريكى، أننا نقصد يوسف القرضاوى .. ذلك الشيخ الذى فقد ظله ومن قبله فقد عقله وتاريخه خدمة لهذا السيد الأمريكى -القطرى -الإخوانى دعونا نتأمله وهو يرد على التكفيريين قبل الثورات والذين يسميهم هو اليوم زيفًا بـ(الثوار) فماذا يقول الشيخ؟
***
*فى كتابه (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف)؛ يرى القرضاوى أن التطرف بلغ غايته حين يُسقط عصمة الآخرين، ويستبيح دمائهم وأموالهم، ولا يرى لهم حرمة ولا ذمة، وذلك إنما يكون حين يخوض لجّة التكفير، واتهام جمهور الناس بالخروج من الإسلام، أو عدم الدخول فيه أصلًا، كما هى دعوى بعضهم، وهذا يمثل قمة التطرف الذى يجعل صاحبه فى وادٍ، وسائر الأمة فى وادٍ آخر.
وهذا كما يقول الشيخ القرضاوى (الذى فقد اليوم ظله وأضحى يقول عكس ما كان يعتقده قبل ثورات الربيع الإخوانية)، ما وقع فيه الخوارج فى فجر الإسلام، والذين كانوا من أشد الناس تمسكًا بالشعائر التعبدية، صيامًا وقيامًا وتلاوة قرآن، ولكنهم أتوا من فساد الفكر، لا من فساد الضمير.
زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنًا، وضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ومن ثم وصفهم النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم، وقراءته إلى قراءتهم ومع هذا قال عنهم: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ووصف صلتهم بالقرآن فقال: يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم وذكر علامتهم المميزة بأنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان.
هذه العلامة الأخيرة هى التى جعلت أحد العلماء، حين وقع مرّة فى يد بعض الخوارج، فسألوه عن هويته، فقال: مشرك مستجير، يريد أن يسمع كلام الله.
وهنا قالوا له: حق علينا أن نجيرك، ونبلغك مأمنك، وتلوا قول الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة: من الآية6)، بهذه الكلمات نجا مشرك مستجير، ولو قال لهم: مسلم لقطعوا رأسه!
وما وقع لطائفة الخوارج قديمًا، وقع لأخلافهم حديثًا.
*****
وهم كما يقول الشيخ الذى فقد ظله، يوسف القرضاوى، يكفرون كل من ارتكب معصية وأصر عليها، ولم يتب منها. وهم يكفرون الحكام، لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله.
ويكفرون المحكومين، لأنهم رضوا بهم، وتابعوهم على الحكم بغير ما أنزل الله.
وهم يكفرون علماء الدين وغيرهم، لأنهم لم يكفروا الحكام والمحكومين، ومن لم يكفر الكافر فهو كافر.
وهم يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم، فلم يقبله، ولم يدخل فيما دخلوا فيه.
ويكفرون كل من قبل فكرهم، ولم يدخل فى جماعتهم ويبايع إمامهم.
ومن بايع إمامهم ودخل فى جماعتهم، ثم تراءى له - لسبب أو لآخر - أن يتركها، فهو مرتد حلال الدم.
وكل الجماعات الإسلامية الأخرى إذا بلغتها دعوتهم ولم تحلّ نفسها لتبايع إمامهم فهى كافرة مارقة.
وكل من أخذ بأقوال الأئمة، أو بالإجماع أو القياس أو المصلحة المرسلة أو الاستحسان ونحوها، فهو مشرك كافر.
والعصور الإسلامية بعد القرن الرابع الهجرى، كلها عصور كفر وجاهلية، لتقديسها لصنم التقليد المعبود من دون الله (انظر كتاب ذكرياتى مع جماعة المسلمين - التكفير والهجرة - عبد الرحمن أبو الخير).
وهكذا أسرف هؤلاء فى التكفير، فكفروا الناس أحياءً وأمواتًا بالجملة، هذا مع أن تكفير المسلم أمر خطير، يترتب عليه حل دمه وماله، والتفريق بينه وبين زوجه وولده، وقطع ما بينه وبين المسلمين، فلا يرث ولا يورث ولا يوالى، وإذا مات لا يغسل ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن فى مقابر المسلمين.
ولهذا حذّر النبى - صلى الله عليه وسلم - من الاتهام بالكفر، فشدد التحذير، ففى الحديث الصحيح: من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما فما لم يكن الآخر كافرًا بيقين، فسترد التهمة على من قالها، ويبوء بها، وفى هذا خطر جسيم (ترى ما رأى فقهاء السلطان الذين كفروا ليس شعوب وحكام الواقع الراهن فحسب بل التاريخ أيضًا مثلما حدث مع الدولة الفاطمية ومؤسسها).
وقد صح من حديث أسامة بن زيد: أن من قال: لا إله إلا الله فقد دخل فى الإسلام وعَصَمَتْ دمَهُ ومَالَهُ، وإن قالها خوفًا أو تعوذًا من السيف، فحسابه على الله، ولنا الظاهر، ولهذا أنكر النبى - صلى الله عليه وسلم - غاية الإنكار على أسامة حين قتل الرجل فى المعركة بعد أن نطق بالشهادة، وقال: قتلته بعد أن قال : لا إله إلاّ الله؟ قال: إنما قالها تعوذًا من السيف؟ قال: هلاّ شققت قلبه؟ ما تصنع بـ لا إله إلاّ الله ؟ !! قال أسامة : فما زال يكررها حتى تمنيت أنى أسلمت يومئذ فقط
ومن دخل الإسلام بيقين لا يجوز إخراجه منه إلاّ بيقين مثله، فاليقين لا يزول بالشك، والمعاصى لا تخرج المسلم من الإسلام، حتى الكبائر منها كالقتل، والزنى، وشرب الخمر. ما لم يستخف بحكم الله فيها، أو يرده ويرفضه.
ولهذا أثبت القرآن الأخوة الدينية بين القاتل المتعمد وولى المقتول المسلم، بقوله(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: من الآية178)، وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - لمن لعن الشارب الذى عوقب فى الخمر أكثر من مرة: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله.
وفاوتت الشريعة بين عقوبة القتل والزنا والسكر، ولو كانت كلها كفرًا، لعوقب الجميع عقوبة المرتد. ونسأل الشيخ يوسف القرضاوى سؤالًا بسيطًا ومباشرًا أليس هذا التكفير الذى كنت تعيبه على التكفيريين قبل ثورات الربيع العربى المزعومة.. هو عينه التكفير الذى أفتيت أنت وجماعات الإخوان والإرهاب الدينى فى مصر وسوريا وليبيا.. به باسم الثورات ؟؟!! فلماذا تناقض نفسك ؟ وهل من أخلاق المسلم ناهيك عن كونه شيخ ويفهم فى الفقه والدين مثلك أن يكفر ويفتى بسفك الدماء كما فعلت أنت تحديدًا فى فتاويك بشأن ليبيا وسوريا والآن بشأن الجيش المصرى ؟
على أية حال وفى نهاية الفتاوى المتناقضة يؤكد الشيخ - الذى فقد ظله.. ثم لاحقًا فقد فقهه الوسطى - الشيخ القرضاوى «أن الشبهات التى استند إليها الغلاة فى التكفير، مردودة بالمحكمات البينات من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو فكر فرغت منه الأمة منذ قرون، فجاء هؤلاء، يجددونه، وهيهات...»
* ترى ما رأى يوسف القرضاوى وجماعته فى هذه الأقوال مقارنة بأقواله وفتاويه التكفيرية ضد جيش مصر وشرطتها وإعلامها وناسها العاديين الذين خرجوا بعد 30/6/2013 يرفضون حكم الإخوان وسياساتهم التى كانت تأخذ مصر إلى المسار والمصير الليبى أو السورى؟ وما هو رأى أتباعهم من فقهاء السلطان القطرى أو التركى الذين كفروا الناس والتاريخ والحكام فيما قاله الشيخ الذى فقد ظله وفقهه!!، هل يمتلكون شجاعة الرد أم أنهم لا يفقهون، وإن فقهوا لا ينطقون إلا بأمر واشنطن وتل أبيب؟!!
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف