نصف الدنيا
عزت السعدنى
‎لعله آخر رجل يمكن أن تحبه المرأة!
يقولون: فلان هذا بخيل بخل الإبل.. أو يقولون: فلان هذا أبخل من ناقة!.. ولماذا يوصف الإبل بالبخل.. لأنها لا تعطى شيئا.. لا لبناً ولا ماءً.. ولا أى حاجة إلا الركوب فوق ظهرها.. أو وضع أحمال تنوء عن حملها الجبال فوق ظهرها.. ولا شيء أكثر من ذلك..

‎ولأن حديثنا عن البخل والشح –بضم الشين- وهما يعنيان البخل واليد المغلولة إلى العنق التى ذكرها القرآن الكريم.. وتعنى أيضاً البخل والسحت ــ بضم السين ــ وهما يعنيان معنى واحدا هو البخل والتقتير وعدم الصرف والتحويش واكتناز المال وعدم صرفه إلا بالقطارة.. وإن كان اكتنازه وتحويشته وعدم صرفه عند طائفة البخلاء أفضل وأحسن.. حتى يموت الإنسان ــ كما يقول البخلاء أنفسهم ــ مستورا لا يمد يده لأحد!

‎وقد سألت كثيرا من الفتيات اللاتى على « وش جواز» أى الرجال تفضلين زوجا لك؟

‎قلن وأجمعن على شىء واحد هو: إلا البخيل المقتر الذى يصرف بالقطارة.. ويكتنز المال لمجرد حب اكتنازه ووضع القرش فوق القرش.. حتى لو تعذر جوعا!

‎وقالت لى سيدة «أروبة»: الرجل البخيل في ماله.. بخيل أيضا في عواطفه.. يصرف القرش بالقطارة ويوزع عواطفه أيضا بالقطارة! ولكن هل صفة البخل أو رذيلة البخل والشح التقطير والمنع والحرمان.. مقصورة علي جنس الرجال وحدهم؟

‎كل الشواهد أمامى تؤكد هذه الحقيقة فإنه من الصعب بل من النادر أن تعثر في حياتك بين أقاربك أو بين جيرانك أو حتى بين زملائك في الجامعة أو في الشغل.. على امرأة واحدة يقولون عنها إنها بخيلة.. لماذا؟

‎الجواب واضح وصريح: لأن العطاء والمنح والإغداق والحنو ـ جاية من الحنان ــ والإغداق والإغراق في العواطف الحارة التي ليس لها حدود.. كلها من صفات حواء.. وأى امرأة مهما تكن حتى لو كانت سجانة في سجن النساء أو حرامية في الأسواق تسرق الكحل من العين كما يقولون.. فإنها في النهاية لا يمكن تصنيفها تحت بند «البخل» ــ بضم الباء ــ والتقتير وهى كلمة مرادفة للبخل.

‎ولكن لماذا يوصف الرجل بالبخل ـ بضم الباء ــ ولا توصف المرأة؟

‎الجواب سهل وبسيط: لأن الحنان والعطف والرحمة التي أنزلها الله في قلب المرأة حتى تلد وترضع صغيرها أو صغيرتها من صدرها لبنا حلالا طيبا.. لا يمكن أن توصف بالبخل كصفة مزرورة في صدرها.. وإلا لبخلت على صغيرها برشفة لبن من ثدييها.. أو لمسة حنان من صدرها وهى تضمه إليها فى حرارة وتهدهده وتدلعه وتدغدغه ثم تغنى له بصوت رخيم حتى يروح في سابع نومة!

‎كل هذا الحشد من الصفات السامية لا يمكن أبدا أن يتسلل إليها طابع البخل وإلا مات نصف أطفال الدنيا بعد ولادتهم بشهور.. وربما بأيام، ولما بقى من الجنس البشرى كله إنسان موحد لله!

‎يعنى البخل والتقتير والشح ــ بضم الشين ــ والمنع والحرمان.. ليس أبدا من صفات المرأة.. وقد خلقها الله على هذه الشاكلة أو بهذه الخاصية حتى تعمر الأرض وتستمر الحياة..

‎وقد سألت امرأة عرفت الدنيا وعاشت الحياة حلوها ومرها سؤالا واحدا: هل تقبلين رجلا بخيلا زوجاً لك؟

‎قالت بحزم: أبدا.. ولن يكون إذن الرجل البخيل في ماله فقط.. بل بخيل دون أن يدرى فى عواطفه.. لأن العاطفة لا تعنى إلا شيئا واحدا فقط.. هو المنح والعطف والعطاء.. والإنسان البخيل لا يملك هذه الصفات في داخله.. ولم يتعامل معها ولم يتعود عليها.. بل إنه يستغرب ويندهش إذا منحه أحد شيئا أو أعطاه إنسان شيئا غير متوقع.. حتى لوكان بونبوناية أو قزازة حاجة ساقعة أو حتى كوب ماء فى يوم قائظ حار!

‎أسألها: ليه ده كله؟

‎قالت: لأنه لم يتعود أن يعطى أو يمنح حتى إذا أحب فإنه لا يعطى إلا مضطرا!

‎أسألها: إزاى بقى مضطر دى؟

‎قالت: يعنى تبقى مراته.. لازم يصرف عليها.. تعنى بحساب وبالورقة والقلم.. يعنى الأكل والشرب واللبس.. والنوم كمان ــ طبعا انت فاهمنى هنا ــ حتى هذا الواجب الذى أمره به الله.. لا يفعله إلا في أضيق الحدود.. وبالقطارة زى ما قلنا… وبلاش نتكلم أكتر من كده!

‎وقالت لى امرأة أروبة: قطع ـ بضم القاف ــ الرجل البخيل وقطعت ـ بضم القاف برضه ــ عشرته!

‎أسألها: ليه؟

‎قالت: هو عبد للقرش.. فهو إلهه وسيده والآمر المطيع ولا شىء غيره.. وهو على استعداد أن يخسر الدنيا وما عليها في سبيل الاحتفاظ بجيبه عمراناً دافئا.. وكذلك خزائنه ورصيده في البنك!

‎وقالت لي سيدة فاضلة: الست مننا تستحمل الراجل «الفلاتى» يعنى بتاع الستات.. وماتستحملشى معاشرة يوم واحد.. راجل بخيل دقة!

‎كلمات عاشت:

«قُطُع البخيل وسيرته»! زينات صدقى في فيلم «شارع الحب»
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف