البديل
أيمن عامر
من يحفر لمن؟
إثر الحديث عن اتفاقية ترسيم الحدود والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة السعودية خرجت المظاهرات رافضة ومعترضة فيما عُرف بيوم الأرض في يومي 15 و25 أبريل. وفي هذه المظاهرات قُبض على عدد كبير من المتظاهرين الذين خرج معظمهم في اليوم التالي للقبض عليهم، وبقيت مجموعة أخرى اختيرت بعناية وعوملوا معاملة مختلفة، حيث أُبعدوا عن الأنظار وامتنع تواصلهم مع غيرهم إلى أن حُكم عليهم بالسجن، بعضهم بسنتين والبعض الآخر بخمس سنوات، مع غرامات وصلت إلى مائة ألف جنيه لشباب قد لا يملك بعضهم مائة جنيه.

جرى إذن تفعيل قانون التظاهر المشئوم والمتوارَث منذ أيام الاحتلال الإنجليزي، بعد تطويره بالطبع، افتتح به هذا النظام عهده بدلاً من إخراج كل المعتقلين والمحبوسين لأسباب سياسية، ليرسِّخ شعوراً بالقمع والقهر ويُقدِم على أفعال لم يجرؤ على القيام بها الاحتلال نفسه، لكأنما يتعمد إثارة الغضب وإظهار أقصى درجات عدم المبالاة بالناس ليقول لهم بلسان حاله: «أنا السيد، صاحب القرار، الوحيد الفاهم العارف فلا تسمعوا غيري، والمعترض مكانه السجن».

ولإيصال هذه الرسالة ببلاغة ووضوح كانت أزمة اقتحام نقابة الصحفيين التي يُفهم من سياقها أنه أريد بها توصيل رسالة واضحة هي تأميم (أو بالأحرى تكميم) الصحافة والصحفيين لحساب النظام كي لا يكون هناك صوت إلا صوته، والمعترض سيوصم بالخيانة والتخريب ومحاربة أمن البلاد واستقرارها وسيجري تقزيمه وسحب كل أوراق القوة والفعل منه بل محاربته في قوته وحريته كما يحدث الآن بطعن وحدة الجماعة الصحفية وشرذمتها وضربها من داخلها وقلب المائدة على رأس مجلس النقابة ومهاجمته من قبَل زملاء من نفس المهنة عبر نقل قنبلة الخلاف إلى داخل الوسط الصحفي نفسه وتشكيل عدة جبهات تبرز من بينها جبهة مضادة «مخلصة» لتصحيح المسار بالموازاة مع ما يُعرف بـ«المواطنين الشرفاء» في مقابل العملاء المخرِّبين. والهدف الحقيقي في رأيي هو تفريغ أي تكتل أو تجمُّع (ولو كان مهنياً) من أي قدرة على الفعل أو القول وإسكات كل صوت غير مريح لا سيما بعد تجريف مجال العمل السياسي وتحويل الأحزاب إلى مجرد «يفط» لا قيمة لها والبرلمان إلى مهزلة، ولهذا لن تجد نقابة ذات تأثير إلا وتم التعامل معها وتفكيكها وإضعافها.

ولما ظُنَّ أنه لن يظهر للناس إلا ما يُراد إظهاره ولن يُعرف إلا ما يُراد لهم أن يعرفوه، وبالصورة المراد تقديمه بها، بدأت تترى مجموعة غريبة من الأحداث والأخبار.

مثلاً، الحرائق المتلاحقة التي بدأت بحريق العتبة والملاحظ فيها أن التركيز ليس على البيوت وأماكن السكن والمعيشة وإنما على أماكن رءوس الأموال والأصول المملوكة حتى قيل إن حريق العتبة بفعل فاعل لإبعاد البائعين وبيع المنطقة بالمتر وتكديس الملايين، بل المليارات، في جيوب أصحاب المصلحة.

وفي حين يُعلَن عن الريف الجديد واستصلاح مليون ونصف مليون فدان نقرأ أن آلاف الأفدنة في الشرقية مهددة بالبوار بسبب العطش.

وفي حين وعد الرئيس في لقائه مع «ممثلي المجتمع» بعدم ارتفاع الأسعار نجد الأسعار ترتفع بشكل «جنوني» قبيل رمضان.

وفي حين نعرف جميعاً أن مصر تنتج ما يكفيها من الأرز، ويزيد، نجدهم يعلنون عن استيراد 80 ألف طن من الأرز لسد الاحتياج المحلي، ويصل سعر كيلو الأرز إلى عشرة جنيهات وكان لا يجد من يشتريه وقت الحصاد.

وبعدما تركت الحكومة الناس أكثر من خمس سنوات يشترون الأرض بمحصلة «شقا عمرهم» وذهب نسائهم، وبعدما تركتهم يبنون عليها بيوتاً تؤويهم وتؤوي أبناءهم، تذهب قوة من الشرطة، وبغير سابق إنذار، لتهدم هذه البيوت على رءوس من فيها حتى تُلقي امرأة بنفسها كمداً من أعلى بيتها وتُنقل للمستشفى ويشاع أنها ماتت.. والحجة طبعاً هي إزالة التعديات!
لكن المسألة بالتأكيد فيها «إنَّ» بل «ستين إنَّ».

إذا كنت حريصاً على الأرض الزراعية إلى هذا الحد، كما تزعم، فكيف تسمح ببوار الأرض الخصبة في الدلتا بسبب العطش، وإذا كنت لا تجد الماء للزراعة فلمَ تحزن على أرض تركتَها خمس سنوات للناس يبنون عليها ثم تذهب فجأة لتهدم ما أنفقوا فيه أموالهم وجهدهم وأعصابهم؟

هل هذه الأرض التي تحولت إلى كتل من الخرسانة المسلحة ستُزرع مرة أخرى، ولماذا لم تمنع البناء عليها من البداية، لماذا انتظرت إلى أن أكمل الناس بناء بيوتهم؟

وأخيراً، هل هؤلاء الناس لا يعرفون ماذا يفعلون أم أنهم يتعمدون التخريب والحرق، ولماذا؟
هل هناك من يتربص بالحكومة والنظام ويحفر لهما الحفَر المهلكة، ومن هو؟
أم أنهم أجنحة متصارعة كلٌّ منهم يريد إهلاك الآخر ولو على حساب البلد والمواطنين؟
أم هو شخص أو جماعة تعرف جيداً ما تفعل وتمضي في مخططها واثقة لا تلقي بالاً لغضب الشعب، وهل هم من الخارج أم من الداخل؟
من الذي يحفر وينخر في أساس البلد، ولمصلحة من؟
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف