لو كنت مهتماً ومتابعاً لما يجري في مجلس النواب علي مدي الأسابيع القليلة الماضية فسوف تكتشف ان المجلس يمر بمرحلة مخاض.. بين شد وجذب.. قوة تحاول دفعه إلي الأمام كي يمارس دوره كأي برلمان طموح في دولة ديمقراطية.. وقوة تجره إلي الخلف ليظل بلا دور مؤثر.. مجرد ديكور للديمقراطية مثل برلماناتنا السابقة.. ومن هذا المخاض سوف يتشكل دور المجلس ويستقر.
وقد ظهر هذا الشد والجذب قوياً في العديد من القضايا المثارة داخل المجلس.. وما صاحبها من تضارب بين الأصوات والمواقف.. ومن أمثلة ذلك:
* في قضية التعديل الوزاري خرجت أصوات برلمانية تطالب ـ ربما للمرة الأولي ـ بأن يكون لمجلس النواب دور مؤثر في هذا التعديل طبقاً للمادة "147" من الدستور التي منحت رئيس الجمهورية حق إجراء تعديل وزاري بعد التشاور مع رئيس الوزراء بشرط موافقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة للحاضرين.. وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس.. وطرحت هذه الأصوات ضرورة الاستماع إلي المرشحين للمناصب الوزارية في هذا التعديل والتعرف علي السير الذاتية للوزراء الجدد والتعرف علي أفكارهم ومقترحاتهم قبل الموافقة أو عدم الموافقة عليهم.. وهذه ـ كما تري ـ محاولة لتطوير دور وأداء البرلمان ليفعل مثلما تفعل البرلمانات العصرية في الدول الديمقراطية.. لكن الصوت الآخر "الأقوي" انطلق ليؤكد ان الاستماع للمرشحين لم ينص عليه الدستور.. وان التعديل الوزاري سيطرح علي المجلس بعد اكتماله والمجلس إما يقبله كله أو يرفضه كله.. وطبعاً "النتيجة معروفة مقدماً".
* فيما يتعلق بالدور الرقابي للبرلمان تفجرت أزمة بسبب البذخ الحكومي وطلب رئيس الوزراء من مجلس النواب الموافقة علي زيادة مرتبه ومرتبات الوزراء ونوابهم ومعاشاتهم.. وقد قوبل هذا الطلب بالرفض الشديد من قبل بعض النواب الذين رأوه متناقضاً مع التضييق العام الذي تفرضه الحكومة علي الموظفين وأصحاب المعاشات.. وطالب بعض النواب بإلغاء الحراسات وأن يقتصر موكب الوزير علي سيارة واحدة مع سيارته.. وضرورة وقف استيراد السيارات الفارهة للوزراء.. حتي يقتنع المواطن بأن الحكومة تشاركه جزءاً من همومه وأثقاله.. لكن الدعوة ذهبت مع الريح.. ولم يكن هناك أذن تسمع.
* ثم انتقلت معركة البذخ إلي مجلس النواب ذاته.. وتفجرت أزمة السيارات المصفحة الثلاثة عندما كشف النائب محمد أنور السادات عن هذه السيارات التي يصل ثمنها إلي 18 مليون جنيه أو 38 مليون جنيه بأسعار الدولار اليوم.. وظهر في هذه الأزمة من يقول إن ميزانية مجلس النواب أمن قومي لا يجوز اطلاع أحد عليها.. وحراسة رئيس البرلمان والوكيلين أمن قومي.. بل ان رئيس البرلمان نفسه أمن قومي.. بينما هناك من يقول ان الشعب هو صاحب السلطة الرئيسي في البلد ومن حقه أن يعرف.. ومن حقه أن يقرر.. والتوسع في اعتبارات الأمن القومي بهذا الشكل من شأنه أن يكتم الأصوات ويضيع الحقائق.
* وفي البرلمان أصوات تطالب الحكومة بعرض المعاهدات والاتفاقات الدولية قبل توقيعها.. وعرض القرارات الحكومية.. خاصة قرارات زيادة الأسعار المفاجئة وقرارات رفع الدعم.. حتي لا يكون البرلمان مثل "شاهد ما شفش حاجة".. خصوصاً ان رئيس الحكومة كثيراً ما يعلن ان البرلمان شريك لنا والقرارات تتخذ بالتشاور معه.. وهذا ليس صحيحاً.. ولم يحدث.
* وفي قضية "تيران وصنافير" قدم النائب علاء عبدالمنعم من "دعم مصر" مذكرة إلي رئيس المجلس يطلب فيها اعتذار البرلمان عن مناقشة اتفاقية الجزيرتين.. مؤكداً عدم صلاحية نظر المجلس للاتفاقية.. ففي رأيه ان المجلس فقد حياده بعد طعنه علي حكم محكمة القضاء الإداري ببطلان الاتفاقية وانضمامه للحكومة في طلباتها.. ومن ثم يكون المجلس فقد صلاحيته لمناقشة الاتفاقية.. وكذلك عدم صلاحيته للموافقة عليها أو رفضها.. وفي مواجهة هذا الرأي هناك آخرون متحمسون وجاهزون.. ورأيهم معروف مسبقاً.. وهؤلاء ربما يكسبون الجولة.. لكنهم بالقطع سيكونون سبباً في خفض أسهم المجلس وتعريضه للشبهات.
كيف سيخرج المجلس من هذا المخاض؟!.. هل سيكون أقوي أم سيظل يركض في مكانه؟!