بوابة الشروق
د . وليد محمود عبد الناصر
عبدالحليم حافظ والتاريخ الاجتماعى والسياسى العربى
مرت قبل ايام ذكرى مرور أربعين عاما على غياب الفنان المصرى والعربى الراحل عبدالحليم حافظ. وعلى مدى العقود الأربعة الماضية كتب الكثير عن الفنان الراحل وتأثيره فى تطور مسيرة الفن المصرى والعربى الحديث والمعاصر، خاصة الموسيقى والغناء والسينما والتمثيل، ولا يزال هناك الكثير الذى يمكن أن يكتب عن جوانب عديدة من حياته وعطائه الفنى، وذلك بالإضافة إلى الكتابة عن حجم وعمق الإمتاع الذى أضافه إلى أسماع ووجدان عشرات الملايين من الذين استمعوا إليه وأحبوه وتعلقوا بصوته داخل مصر والوطن العربى وخارجه.

وأقصر هذا المقال على تناول جانب واحد من جوانب الدور المهم الذى لعبه الفنان الراحل خلال حياته، وهو مساهمته عبر أعماله الغنائية والسينمائية فى التأريخ لمسيرة تطور المجتمع المصرى والعربى، وما ارتبط بذلك من تحولات اتصفت بالتاريخية فى الميدانين الوطنى والقومى، ويرتبط بذلك أمر آخر لا يقل أهمية وهو تأثير عبدالحليم حافظ فى بعض أوجه التطور الاجتماعى فى المجتمع المصرى وفى غيره من المجتمعات العربية. فلا شك أن شعبية وجماهيرية الفنان الراحل على امتداد الوطن العربى بل ولدى الجاليات العربية التى تقيم ببلدان المهجر لا تقل بأى حال من الأحوال عن ما يحظى به من قاعدة واسعة من الحب والإعجاب والتقدير داخل حدود مصر وفى صفوف شعبها.

فعلى مدى ربع قرن، كانت أغانى الفنان الراحل عبدالحليم حافظ هى بمثابة تسجيل حى لتحولات كانت تجرى فى داخل المجتمع المصرى، بريفه وحضره، بخطى متسارعة أحيانا وببطء أحيانا أخرى، بعضها يتحرك بالمجتمع وبالبشر بداخله إلى الأمام، وبعضها الآخر يتحرك بهم إلى الوراء. وفى المجمل يمكن القول إن الفنان الراحل أرخ لمجتمع نابض بالحياة، بكل ما يعنيه ذلك من معان، وذلك بنفس الدرجة التى أرخ بها لحالة حراك اجتماعى تتسم بالحيوية، تتحرك فى حركة تتصف بالطابع البندولى ما بين السعى نحو بناء مجتمع سوى يتصف بالعدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص ويتطلع للحرية والتمكين للمرأة والشباب وما بين النزوع للاتجاه الفردى والانكفاء على الشأن الخاص لدى بعض الأفراد المكونين لهذا المجتمع بما ينفصل بهم عن الإطار الاجتماعى الأشمل وحركته العامة وما ارتبط بذلك من تطور نزعات للفساد والإفساد مما أظهر على السطح العديد من الأمراض الاجتماعية وأعراضها. وعايشنا ما تقدم فى أغنيات مثل «المسئولية» و«بستان الاشتراكية» وغيرهما.

ولكن كان للفنان الراحل أيضا تأثيره بدوره على الكثير من المفاهيم والسلوكيات والتوجهات الاجتماعية، خاصة لدى الشباب المصرى والعربى، فى زمنه بل وحتى بعد رحيله عن دنيانا، فقد تأثر الكثير منهم به فى مفردات اللغة التى استخدمها ودلالاتها، سواء فى أغنياته أو فى الأدوار السينمائية التى قام بها، وشمل التأثير كذلك الأزياء التى كان يرتديها وطريقة المشى والحديث وكيفية التفاعل مع الآخرين وتعبيرات الوجه وغير ذلك من جزئيات أثرت بلا أدنى شك على أجيال متتالية من الشباب المصرى والعربى، وحتى بعضهم ممن لم يكن قد ولد بعد خلال فترة حياة الفنان الراحل عبدالحليم حافظ. ويكفى أن نرى مثلا تأثير الدور الذى لعبه الفنان الراحل فى فيلم «الوسادة الخالية» على تشكيل الكثير فى عقول الشباب الذين عايشوا تلك الفترة أو حتى الذين ولدوا بعد ذلك.

وعلى الصعيدين الوطنى المصرى والقومى العربى، أرخت أغانى الفنان الراحل لمحطات مهمة لا تنسى فى المسيرة الوطنية المصرية وفى حركة التحرر العربى ومسيرة الوحدة العربية وأيضا فى خضم المواجهات بين الأمة العربية وخصومها التاريخيين والمعاصرين على حد سواء، ما بين نشوة النصر ومرارة الهزيمة، خاصة ما بين مطلع عقد الخمسينيات من القرن العشرين حتى رحيل عبدالحليم حافظ عن عالمنا فى نهايات شهر مارس من عام 1977، وكذلك خلدت تلك الأغانى أحداثا جسام عبر عرضها بشكل بانورامى شامل لخلفياتها وتطورها التاريخى والظروف المحيطة بها محليا وإقليميا وعالميا بما كان يقرب تلك الأحداث من المواطن المصرى والعربى العادى ويعرضها وكأنها شريط أحداث فيلم سينمائى روائى طويل. وتتعدد الأغانى التى عبرت عن ذلك مثل «حكاية شعب» و«الفوازير» و«عدى النهار» و«المسيح»، وكذلك «أرض الجزائر»، وذلك بخلاف مشاركته فى أوبريت «الوطن الأكبر».

ولكن لا يمكن عندما نتحدث عن ذلك الدور التأريخى، وأيضا عن التأثير الاجتماعى، أن نتجاهل حقيقة أن أعمال الفنان الراحل لم تكن نتاجا منفردا لإبداعاته أو عبقريته الفنية أو حسه المرهف القريب من الناس العاديين والبسطاء ومن الشباب بآلامه وآماله وتطلعاته وأحلامه فقط، بل جاءت نتاجا طبيعيا ومنطقيا لعمل وجهد وفكر وتكاتف جماعى من جانب عدة أطراف، منهم فى حالة الأغنيات المؤلف أو الشاعر والملحن والموزع الموسيقى والفرقة المصاحبة، وفى حالة الأفلام السينمائية المنتج والمؤلف والمخرج ومدير التصوير وفريق عريض واسع من الفنيين العاملين، وكذلك بقية الممثلين المشاركين فى نفس العمل السينمائى. ومن أبرز هؤلاء الشاعران الراحلان صلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودى، والموزع الموسيقى الراحل الدكتور على إسماعيل، وملحنون بحجم الفنانين الراحلين محمد عبدالوهاب وكمال الطويل وبليغ حمدى، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. ولا ينكر ما تقدم بالطبع أن الإعجاب الجارف الذى حظى به عبدالحليم حافظ فى صفوف الشعب المصرى والشعوب العربية، ومرة أخرى أخص بالذكر فى صفوف الشباب منهم، كان له دوره المؤثر للغاية فى هذا التأثير لأغنياته وأعماله الفنية الأخرى.

كما لا يعنى ما تقدم أن كل ما روج له أو أرخ له الفنان الراحل فى أعماله الفنية كان صحيحا أو إيجابيا أو صالحا، فلا شك أن هناك اتهامات جادة منها على سبيل المثال لا الحصر أن العديد من مكونات بعض أغانيه الوطنية والقومية فى حقبتى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى ساهمت فى الترويج بدرجة أو أخرى لمفهوم الزعيم الفرد وراهنت عليه، مما أثر سلبا ليس فقط على الصعيد المباشر، بل أيضا على تشكيل الثقافة الاجتماعية للشعب المصرى وللشعوب العربية، كما أثبتت السنوات التالية أنه رهان خاسر على المدى الأبعد ولا يمثل ضمانة لأى إنجازات تحققت أو تحولات إيجابية جرت أو ضد أى سلبيات ظهرت ونمت. ولكن هنا علينا تذكر أمرين: أما أولهما فهو أننا لا يجب أن نحكم على أحداث الماضى، خاصة إذا كان مضى عليه أكثر من أربعة عقود، بمعايير اليوم بشكل مطلق وإلا فقدنا صفات الموضوعية المجردة والحيدة التاريخية والمنهاجية العلمية المطلوبة والضرورية، وثانيهما هو أن الفنان الراحل روج بالمقابل لقيم إيجابية عديدة عبر أعماله الفنية، منها، مرة أخرى على سبيل المثال لا الحصر، قيمة العمل والإعلاء من شأنه وقدره وربطه بمكانة الإنسان فى المجتمع، وذلك فى مقابل معايير أخرى مثل النسب والنفوذ الاجتماعى أو الانتماء الطبقى أو الثروة الاقتصادية، وذلك كما جاء فى أغنيات مثل «بالأحضان» و«صورة».

وسيبقى عطاء الفنان الراحل عبدالحليم حافظ مطروحا ومحلا للجدل والنقاش والخلاف والتباين طالما بقى البحث الجاد فى دور الفنون بشكل عام فى نهضة الأمم أو انتكاساتها ووظيفتها فى تقدم المجتمعات وتطورها أو تراجعها وتقهقرها، وذلك دون القفز لتعميمات غير مبنية على افتراضات لم يتم التحقق من صحتها سلفا.
تعليقات
اقرأ ايضا
الصحف